نكران الجميل ليس هو الحل!

 

من خلال فتح ملفات العشرية الماضية نتجاوز جميعا الحاجز النفسي لتنصل الموظف العمومي من مسؤولياته القانونية والأخلاقية ، وإهمال الرقابة البرلمانية والحكومية ، ونبدأ عصرا جديدا لا بأس بتسميته ؛ عهد المساءلة.

المساءلة ليست هي المحاسبه ؛ المساءلة الاستخبار عن الشيء ، والسؤال عن ما تم القيام به، وهي لا تعني بالضرورة العقاب ، بل المتابعة والمناقشة لما يجري بهدف تبادل الآراء واستجلاء المواقف ، وصولا للمكافأة والتقدير، أو المحاسبة والعقاب.

وإذا كان العشرات من موظفي إدارتنا السامين بكل أسف يقصرون في أداء وظائفهم ، أو لا يؤدونها على الوجه الأكمل ، فإن المئات من موظفينا البسطاء، وبعض الموظفين السامين يخدمون كجنود مجهولين بتفان وإخلاص ومثابرة وعبقرية قل لها نظير.

هذا الصنف الأخير على ندرته لا يجد نصيبه من الأضواء ، ولا أحد يهتم لما قدم من جهد ، وبالتالي لا ينالون في الغالب أي مكافآت.

ما دمنا ناكرين لجميل هؤلاء ونضع الجميع في سلة واحدة ؛ هي سلة التخوين ، فنحن نشجع التهاون في أداء مهام الواجب العمومي ، ولا نحفز السلوك الإيجابي لبذل المزيد من الجهد والإيجابيه.

إن أموالنا التي تبدد في الفساد ؛ وتقدر بعشرات المليارات من الأوقية سنويا ؛ هذه الأموال كان بالإمكان استخدام نسبة بسيطة منها كتعويضات مستحقة ، ومزايا ومكافآت ، مع تشديد الرقابة الإدارية ، وتعزيز دور القضاء ، لضمان جودة العمل ، ونزاهة الموظفين وتشجيع التنافسية.

في مأثورنا الشعبي أن أكره ما يكره معد الشاي الحاذق المتقن لصنعته  النديم اللا مبالي الذي يتعاطى الكؤوس ؛ كؤوس الشاي طبعا ، يتعاطاها في صمت وبلاهة ولا مبالاة دون تعليق استحسان ، والشيء بالشيء يذكر.

من منا لا يعرف في أروقة إدارتنا أطباء، ومعلمين، وأساتذة، ودكاترة،ومدراء، ووكلاء إدارة، وعمالا عاديين خُلَّص وأكفاء ، ومشهود لهم في الوسطين الوظيفي والاجتماعي بنزاهة اليد والاستقامة والترفع عن الشوائب ، ومع ذلك لا تسمع لهم ولا تحس ذكرا.

هذا الصنف مغيب عمدا عن التوشيح ، والتقدمات ، والمكافآت ، لكن حظهم من سخط مرؤوسيهم، وتهميشهم، واحتقارهم ينالونه كاملا غير منقوص.

إن مكافأة من لا يستحق تشجيع للفساد ، بل هي أشد ضروبه شذوذا ، وتعتبر إخلالا بميزان الحكامة الرشيدة ، وتهميش وتحطيم لمعنويات المخلصين من موظفي الشأن العام ، فمتى نتوقف عن محاباة المفسدين؟ متى تكون الحوافز حكرا على مستحقيها دون غيرهم؟ متى نكسر الروتين الإداري ، والقواعد البيروقراطية التي تجذرت في لا وعينا حتى صارت سُننا متبعة ومألوفه؟

نعول كثيرا على القياده الجديده من أجل إحداث قطيعة تامة مع ترسبات الماضي ، ومسلكياته الضارة؛ كشخصنة الأمور ، واحتقار القانون ، وذلك من أجل إقامة دولة العدل والحقوق والحريات.

هذه آمالنا وأحلامنا فإن تحققت ـوهي ممكنة ومشروعةـ ، فحالنا كما قال العلامه محمد ولد أحمد يوره: فرحنا وأظهرنا السرور وصرحنا ، وإن لم تتحقق لا سمح الله ما كنا ركوبا ولا طحنا!

 

محمد محمود إسلم عبد الله

سبت, 29/08/2020 - 07:22