خطاب الكراهية.. صناعة جمود القوالب التراتبية / الولي سيدي هيبه

إن أي خطاب متطرف بأية ذريعة أو آخر يدعو للكراهية لا يأتي لوحده مطلقا من الفراغ. حقيقة مرة كالعلقم يصم البعض عنها الآذان و  يغض البعض الآخر الطرف عن مصادرها، و إذ حتما لا بد أن جملة من العوامل تضافرت له و أسباب مشجعة عليه تجمعت و تراكمت في غياب تصحيحها و دحضها حتى مهدت

 الطريق إليه ليأخذ من مداه فيزيد بلاوي الأمة و يضاعف محنها التي حتما أنها بدأت بانتشار أصناف من الظلم و التمييز و التمايز و الغبن و الاستبداد بين المجموعات المكونة للنسيج الإجتماعي بكل مكوناته.

و مما لا شك فيه أنه رغم مرور أزيد من ستين عاما على استقلال موريتانيا فإنه ما زال حيا نافذا الاعتداد بالقبائل بوصفها كيانات موازية أو جزء من الأحكام أو شريك لها، و بالمكانة الاجتماعية باسم التفاضلية التوارثية على فرضية خلود النقاء الاستعلائي المثبت في سفر التركيبة المجتمعية التقليدية علنا - وفعلا خارجا على منظور الدولة الحديثة و اللحمة فيها و الانسجام بين مكونات مواطنيها دون تمييز أو تفرقة من أي شكل تكون ـ ما زال إذن هذا الاعتداد يَحْجب البصائر المتعلمة و تلك الكثيرة التي غشيتها المدَنيَّة، بإرادتها أو رغما عنها، و فرضت عليها أدبيات نظامها الصارم و انضباطها الملزم و اعتباراتها المجردة من أدران الذاتية المتجاوزة و المقننة على إيقاعات إملاءات الاحترام المتبادل و التكامل على ميزان الندية فيها، عن إدراك عمق التغيير الذي يحصل في النسيج العام المجتمعي و التركيبة التقليدية التراتبية فيه و ضرورة مسايرة متطلبات هذا البتغيير إلى المساواة و العدالة و حتمية توجه الجميع معا إلى بناء الدولة المركزية المشتركة بين الجميع؛ دولة المواطنة الصالحة التي:

·  تثيب الرواد من أهل العلم النافع و العمل الميداني البناء المؤسس و الإبداعي المميز و التربية الصالحة و التأطير الدائم،

· و تحاسب بواسطة مسطرة قانونية صارمة معدة بإحكام و إجماع في ظل دولة القانون أهل الخذلان، من المفسدين و المشاغبين و اللامبالين بها و المخلين بتوازناتها و الضاربين عرض الحائط بمصالح الشعب.

 

فمن ضعف هذا المأرب الحتمي قد جاءت على ميعاد مع الأقدار المؤنبة و المقرعة الفرصةُ مواتية لأصحاب الخطاب "التأليبي" الذي ينفث أنفاس "الكراهية" الحارقة و ينافس بشدة الخطاب المطالب بـ"المساواة" عن طريق تصحيح العقد الاجتماعي المتأرجح بين استبقاء التركيبة المجتمعية التراتبية من جهة، و غياب تطبيق المعارف التي كثرت و تنوعت و إملاءات الحداثة على أرض الواقع لصالح الدولة الحديثة، و التوجه بها إلى بناء أركانها عادلة ديمقراطية، راسخة القدم و واثقة الخطى إلى العولمة الزاحفة.  

 

و بالطبع يتحتم من هنا كذلك إدراك أن رفض و نبذ خطاب الكراهية ليس فرض كفاية و ثابتة "دوغماتية" صماء بكماء رعناء لا تقبل النقاش، لا تسمح بالرأي و الاعتراض، و لا تقبل المراجعة في حيزها المغلق لمجرد العلم بخطورته البينة و خبثه الطافح و سمه الزعاف و تهديده للأمن و الاستقرار و السلم و الوحدة. كلا، و إن الحكمة الوطنية و الحنكة السياسية لدى رشداء الأمة و قادتها و منظري مسيرة توازنها تقتضيان البحث عن الأسباب الظاهرة و الأخرى الخفية، لأنه مما لا شك فيه أن لخطاب الكراهية أسبابا موضوعية و أخرى على النقيض من ذلك تماما بحسب الجهات المتبنية له و تلك الرافضة، كل بمبرراته و مسوغاته و أهدافه مدمرة كانت أو سامية.

 

من هنا يتحتم التريث و القبول بوجوده كمعطى يفرض نفسه و قد استوجب الاستماع إلى أصحابه و مناقشتهم بتأن لا يغفل الحزم و محاججة تبرز الإشكالات و تنير البؤر المظلمة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر تفاهم على ضرورة نزع فتيله و جملة أسبابه الموضوعية، و دحض أسبابه "الغرضية"، و إضعاف حجج أهله التي تكون لحظتها واهية و عارية من أسباب بقاءه ملهبا للمشاعر المجروحة. و إن الذي يحس بالغبن و الدونية و الإقصاء في بلده و و الحرمان من خيراته، لا يمكن أن يلام على التعبير عن رفض ذلك الواقع بقدر ما لا يمكن أن يظل يُمَكَّن للأقوي في البلد و حكمه و خيراته ثم تصم له الآذان عن صيحات المظلومين. من هنا فإن الحكمة تقتضي بروح الوطنية، الخالصة من أدران الإنتماءات الضيقة أن تسعى لتحقيق السلم الأهلي و تخفف خطاب الإحساس بالغبن بالعمل الملموس إلى نشر العدالة، و صد الأبواب أمام من يسعون إلى تحويل هذا الإحساس، شيئا فشيئا، إلى خطاب للكراهية، يذكون نارها ليشفوا غليل شغفهم "النيروني" إلى رؤية ألسنة النار الملتهبة تلتهم كل أخضر و يابس.

 

فهل تدرك القوى السياسية المتصارعة ـ في حلبة بلا مقاييس و لا تحكيم و لا قوانين ضبط ـ على السلطة غاية و نهاية، و الطبقة المحسوبة على الفكر و الثقافة و التوجيه ـ الغاطة في واقع أمرا ـ في سبات التراخي المشبوه بالانتهازية التملقية الإصطفافية إلى موازين القوة و النفعية بكل الاتجاهات و النأي عن الإنتاج و الإبداع، و الحركات و التنظيمات الناشطة في الحقل الذي يدعى المجتمع المدني بكل ألوانها و أطيافها و مشاربها و طموحاتها؛ هل تدرك جميعها أنها تساهم عن قصد و ترصد أو جهل و غفلة أو لحسابات سياسوية ضيقة و آنية مرصودة؟ و هل يدركون بكل ذلك أنهم إنما يضعون البلد على كف عفريت جائع  طائش ينفذ حمم تغلي بداخله؟      

خميس, 17/05/2018 - 02:04