إمام المسجد النبوي: "الحسد أصل العداوات"

جمعة, 13/04/2018 - 13:55

وكالة الوئام الوطني للأنباء - حذر إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ د. عبدالمحسن القاسم في خطبة الجمعة من الحسد الذي هو أصل العداوات، فقد شرف الله عز وجل آدم وفضله فخلقه بيديه وأسكنه جنته وعلمه الأسماء وأسجد له ملائكته، وكرم ذريته من بعده، فأعلن إبليس بسبب الحسد العداء له ولذريته.

وقال في الخطبة: الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وأعظم البلاء ما قطع العبد عن ربه ودينه، وليس في الدنيا على الخلق أشدُ فتنة من إبليس وجنوده فهو العدو الأول والأكبر، ومنشأ ومرد جميع الرزايا منه وإليه.

وأضاف: عداوة إبليس لبني آدم شديدة بينة، لا كان ولا يكون في الأعداء أظهر منه، قال سبحانه: (إنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)، عدو لا يفتر ولا ينقطع، ولا ينفع معه مدارة أو لين، أقسم على العداء لجمع بني آدم، (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ).

وبين القاسم أن أصل هذه العداوة وباعثها الحسد، فالله شرف آدم وفضله فخلقه بيديه وأسكنه جنته وعلمه الأسماء وأسجد له ملائكته، وكرم ذريته من بعده، فأعلن إبليس هم العداء، وقال:( أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)،وانطوت سريرته على الكبر رأس كل داء وشر، فامتنع عن السجود لآدم وقال:( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)،وبطرده من الجنة أعلن العداء وأظهره،( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، فكاد لآدم وحواء وزين لهما المعصية حتى اخرجا من الجنة، ولا يزال على حاله وكيده، يؤذي الناس حساً ومعنى ، في عقائدهم وعباداتهم، وأجسادهم وأنفسهم، وأموالهم وأولادهم، ومأكلهم ومشربهم، ونومهم وقيامهم، وصحتهم وسقمهم، وعلى كل أحواهم.

وأما كيده في العبادات فلايزال يصاحبها حتى يفسدها عليه، فيشكك العبد في طهارته، وإذا وجد خللاً في الصفوف دخل فيها، والشيطان أشد ما يكون حرصا على قطع الصلاة، ومشاركة الناس في مطاعمهم ومشارهم ومناكحهم، ويسعى للفرقة بين الناس والإفساد بينهم.

وأكد إمام الحرم أن الشيطان لايزال مستمراً في أذيته لابن آدم حتى في سكرات الموت، فالشيطان أغوى أبناء رسل وآبائهم كابن نوح ووالد إبراهيم بل كان سببا لإهلاك أمم بأكملها، فواجب علينا أن نتوب جميعا إلى الله وأن نمتثل أوامره ونجتنب معاصيه، وأن نحذر الوقوع في والشرف في طاعة الله وأن نمتثل لأمر الله في قوله:( ففِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ).

وتابع: المعصوم من مكر الشيطان وعدائه من عصمه الله، ولا نجاة منه إلا بالتقوى، وأشد عباد الرحمن على الشيطان هم المخلصون لله الموحدون له في عبادهم، وهذا ما أقربه عدو الله فقال: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، والاستعادة بالله من شره حصن وأمان، وذكر الله جالب للرحمة طارد للشيطان.

 

وفي خطبة الجمعة التي ألقاها في المسجد الحرام اليوم الإمام الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس قال : " إن العالم اليوم أصبح في احتراب، وحَبْلُه في اضطراب، وجَفَّتْ فيه الرَّوْحَانية، ومَلَكَتْ عليه أَمْرَهُ المادِّيّة، التي تهدم من قواعد الدين ولا تَبْنِي، وتَرْمِي المقومات الإسلامية في كل يوم بِفَاقِرَةٍ من المسخ الفكري، والنَّغَل القَلْبِيّ، والدَّغَل المَطْوِيِّ، تحت شعارات، بل هي للكفر رايات، وكم فتح سَدَنَتُهَا أبوابًا للشك في وجود خالق الأرض والسماوات، واستحقاقه للعبادة وحده دون سواه ، مبيناً أنه لم يخطر بِبَالٍ أن يَعُم الوَبَال حتى نسمع في بعض بلاد المسلمين من يَنْبُو عن التوحيد والوحدانية، بل ويدعو إلى التَّغَوُّل في الزندقة و الإلحاد، في زمن التحولات والصراعات، وفي ظل تنامي الموجات المتاجرة بالدين تحت شعارات سياسية، ونعرات طائفية، ومحاولات اختطاف الإسلام وعقول أبنائه بين الغلو والتحرر، وأمام الهجمات الإرهابية بالأسلحة الكيماوية ضد النساء والأطفال والمدنيين، واغتصاب الصهاينة الغاشمين لمقدسات المسلمين، وتفاقم الأمر حيال تحقيق الأمن والسلم الدوليين، والمآسي الإنسانية المتكاثرة، وفي زمان العلم وتزايد أدلة وإثباتات وجود الله تعالى بالعقل - لِذَوِي الحِجَى والعَقْل - تُلهينا هذه الصَرَخات الصَّارِخَات عن كثير الآهات والأنَّات التي تنال من جسد الأمة المسلمة، وتُهَارِشُ وَحْدَتها، وهنا تبرز الحاجة بل الضرورة إلى الفِرَار إلى الله جل جلاله.
وأضاف: أن الله سبحانه إنما خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعْبُدُوه، فهل يمكن أن يَعْبُدُوه دون أن يَعْرِفُوه، بل لابد من معرفتهم له سبحانه؛ ليحققوا الحكمة العُظْمَى والغاية الكُبْرَى من إيجادهم في هذه الدنيا، وإن من الزِّرَايَة بالعبد ونِعَمُ المولى عليه تترى، وفضله عليه يتوالى- أن يكون جاهلاً بِرَبِّه مُعْرِضًا عن معرفته والعلمِ به وبأسمائه وصفاته؛ إذ بقدر ذلك يزيد إيمانه، وَيَقْوَي يقينه كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله : "والعلم بالله أصلٌ للعلم بكل معلوم"، وقال أبوالقاسم الأصبهاني رحمه الله: "فينبغي للمسلمين أن يعرفوا الله وأسماءه وصفاته فيعظّموا الله حق عَظَمَتِه "، فلا غِنَى للعباد عن خالقهم وبارئهم طرفة عين ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) .
وأفاد الشيخ السديس أن عَظَمة الله سبحانه وتعالى تجلَّت في مخلوقاته، وحَضَرتْ شَاخِصَةً في بديع مصنوعاته، سَبَّحَت له السماواتُ وأَمْلَاكُهَا، والنُّجُومُ وأفلاكُهَا، والأرضُ وسُكَّانها، والبِحَار وحيتانها، والجبال والشجر والدواب والآكام والرِّمَال، وَكُلُّ رَطْبٍ ويَابِس، وكل حي وميت، ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) .
وأبان أن المعارف تتضاءل والعلوم أمام العلم بأشرفِ معلوم: ألا وهو العلم بالله سبحانه وتعالى ؛ لذا أمر نبيه بقوله: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، قال الإمام الطبري رحمه الله :" فاعلم يا مُحَمَّد أنه لا معبود تنبغي أو تصلح له الألوهية، ويجوز لك وللخلق عبادته، إلا الله الذي هو خالق الخلق، ومالك كل شيء، يدين له بالربوبية كل ما دونه".
وأكد فضيلته أن من الحقائق الصادحة، والمُسَلَّمات الواضحة، أن أعظمَ مَنْ عَبَدَ الله وعَظَّمَهُ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذي كانت حياته أمْثَل حياةٍ وأزكاها: اكتَنَزَت الصِّدق، والشَّرفَ، والنَّزاهة، وعظمة النَّفس، وسُمُوَّ الروح، وأصول الفضائل .
وأوضح فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام , أنه لا منزع للمسلمين من إعزاز منهج الاقتداء والاهتداء بهدي سيد الأنبياء، لنتخذ منه شِرعة ومنهاجَا، و تِريَاقاً لأدوائنا وعلاجا، ونبراسا لدروب حياتنا وهَّاجا، لنبلغ أعلى منازل العِز ونَصْعَدْ، ونُفلح في أُولانا وأُخرانا ونَسْعَدْ، في زمن غربة الإسلام وغلبة الفتن المعاصرة، وهوس الانطراح في فُسْطَاطِ الخُرَافات ورِوَاق المُحْدَثَات، واختزالٍ للدِّين في أيامٍ وليالٍ ومناسبات، وتعدد الرايات والمذاهب، والشعارات والمشارب. )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وقال عليه الصلاة والسلام :" من عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ" ( متفق عليه )، فالاتباع الاتباع، والحذر الحذر من الجفاء والابتداع ، مؤكداً أنه مِنْ أَجْلَى صور الاتباع وأدومها َ كثرة صلاتكم وسلامكم على الحبيب صلى الله عليه وسلم

.و أوصى فضيلة الإمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس, المسلمين جميعا بتقوى الله عز وجل والعمل على طاعته واجتناب نواهيه .