
اليوم تجاوزت قضية القدس إطارها التقليدي وأصبحت أحد المتغيرات المؤثرة في التطورات العالمية. بمعنى آخر، يمكن القول أنه قبل 7 أكتوبر، كان ينظر إلى قضية القدس وفلسطين في إطار ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وبطبيعة الحال، كان أي سلوك للکیان الصهيوني تجاه فلسطين يتم تحديده ومتابعته في هذا الإطار. كما تم في الإطار نفسه مناقشة عدوان الکیان على فلسطين، ومن ناحية أخرى، كان تأثير القضية الفلسطينية على التطورات الإقليمية والدولية محدودا إلى حد ما. وخاصة أنه بعد أن بدأ مشروع تطبيع العلاقات بين بعض الدول الإسلامية والکیان، أصبحت القضية الفلسطينية هامشية، وإذا اكتمل مشروع التطبيع فمن المرجح أن تصبح فلسطين قضية أقل أهمية بالنسبة للدول والجهات الفاعلة الدولية.
إن ما حدث خلال هذه الفترة بعد السابع من أكتوبر كان له فروق واضحة وكان تأثيره ملموسا أكثر بكثير. لقد أدخلت عملية طوفان الأقصى القضية الفلسطينية إلى فضاء جديد لن يعود إلى الماضي أبداً. وبطبيعة الحال فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي الخصائص المميزة المذكورة؟ أي ما هي العناصر التي ميزت قضية القدس وفلسطين عن الماضي؟ وفي هذه المقالة سأذكر بشكل مختصر أهم هذه المميزات:
انهيار أسطورة مناعة إسرائيل؛ حتى عملية السابع من أكتوبر، كان العالم يعتقد أنه من المستحيل التسلل إلى إسرائيل وإلحاق الأذى بها. لقد أدت عملية طوفان الأقصى إلى تدمير الهيمنة الأمنية والاستخباراتية للکیان، وألحقت به عاراً كبيراً. وكانت نقطة التحول والمفاجأة التالية هي العمليتان "الوعد الصادق" الأولى والثانية الذی نفذتها الجمهوریة الاسلامية الايرانيه، والتي أظهرتا أن أنظمة الدفاع لدى الكيان، بما في ذلك القبة الحديدية، كانت وهمية وغير قادرة على صد هجمات مدروسة وواسعة النطاق. ولذلك تم إيهام العالم بأن هزيمة الكيان ليست مهمة صعبة أو مستحيلة. وقد خلقت هذه القضية خوفاً وقلقاً كبيرين لدى الکیان واعوانه.
إنهاء الهيمنة الإسرائيلية وتشكيل جهد جماعي للضغط على هذا الكيان؛ مع استمرار جرائم إسرائيل وجرائم الإبادة الجماعية ضد أكثر سكان العالم عزله، بالإضافة إلى انتشار الاحتجاجات المحلية والدولية ضد هذا الکیان القاتل للأطفال، فإن التنسيق والإجراءات القانونية التي اتخذتها بعض الجهات الدولية ضد هذا الکیان قد زادت من وسائل الضغط على هذا الکیان. ويعتبر إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق نتنياهو، لأول مرة منذ عام 1948، إنجازا كبيرا لأنصار الفلسطينيين. إن وصول وضع حكام إسرائيل إلى حد تمكن المحكمة الجنائية الدولية من إصدار حكم ضدهم يدل على عمق الكارثة والجريمة التي ارتكبها هذا الکیان.
انهيار نظام حقوق الإنسان الغربي المزعوم؛ لقد أظهرت التطورات التي أعقبت 7 أكتوبر وجرائم الکیان الصهيوني، بدعم كامل من الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، أنهم ليس فقط لا يحترمون هذه الشعارات والمعايير، بل إنهم أنفسهم هم المرتكبون الرئيسيون لانتهاكات حقوق الإنسان. وتعتبر جرائم إسرائيل والإبادة الجماعية في غزة من الأمثلة القليلة في تاريخ العالم، وهذه وصمة العار مسجلة باسم هؤلاء المجرمين البربريين في العصر الحديث.
والعوامل المذكورة هي مجرد أمثلة قليلة على الإنجازات التي حققتها القضية الفلسطينية في الأشهر الأخيرة. نعم، لقد دمر نظام الهيمنة بلا رحمة وخرب وقتل وذبح الشعب الفلسطيني الأعزل، ولكنه جلب لنفسه نتائج كارثية من شأنها أن تقرب إسرائيل من نهايته. وفي ظل هذه الظروف فإن وحدة كل الدول الإسلامية ضد التهديد المشترك المسمى الصهيونية ستكون العقبة الأهم أمام تنفيذ مخططاتهم الشريرة للعالم الإسلامي.
جواد أبو
سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موريتانيا