رأي حر ،،قافلة بومديد الصحية ..حين يتقدم العمل على الضجيج / المختار ولد خيه

الوئام الوطني : 
تابعنا انطلاقة اليوم الثاني من قافلة بومديد الطبية، تلك المبادرة التي يُسيرها ويُشرف عليها النّائب محمد الأمين الغزواني، فاطّلعنا عن قُرب على سير عملٍ حقيقيٍّ لا يقوم على الاستعراض ولا يتغذّى على الشعارات، بل يذهب مباشرةً إلى جوهر الحاجة الإنسانية: صحة المواطن وكرامته وحقّه في العلاج.
لقد كان المشهد واضح الدلالة، لا يحتمل الالتباس ولا يقبل التأويل:
أطبّاء أكفاء من مختلف التخصصات، يعملون بجدٍّ ومسؤولية؛ وفحوصات مخبرية متوفرة تُختصر بها مسافات المعاناة والتأجيل؛ وغالبية الأدوية موجودة في الصيدلية، بما يجعل الخدمة مكتملة الأركان لا تتوقف عند التشخيص ثم تترك المريض وحيدًا في متاهة العجز والانتظار. والأهم من ذلك كلّه أنّ هذه الاستشارات والفحوصات والأدوية تُقدَّم مجانًا، وفي أجواءٍ منظّمةٍ ومحترمة، تكاد تُعيد إلى المواطن شيئًا من الثقة التي كثيرًا ما تتآكل حين تتقلّص الخدمات أو تتبدّد الوعود دون أثر.
وإنّي أكتب هذا الكلام لا من باب الانبهار العابر ولا من باب المجاملة المجانية، بل من خبرةٍ ومعرفةٍ بالمنطقة، واطّلاعٍ على واقعها الاجتماعي، وعلى هشاشتها، وعلى ما يعانيه أهلها من نقصٍ في الخدمات الصحية، ومن أثقالٍ معيشية تجعل تكلفة العلاج عبئًا يكسر الظهر قبل أن يُداوي الجسد. ومن يعرف بومديد وأريافها، ويعرف تفاصيل حياة أهلها، يدرك أنّ مثل هذه المبادرات ليست ترفًا موسميًا، بل ضرورةٌ أخلاقية ووطنية، لأنّ صحة الإنسان ليست منّةً تُمنح ولا مكسبًا يُزايد به، وإنما حقٌّ أصيلٌ ينبغي أن يُصان بالفعل لا بالخطابة.
ومن هنا، يصبح الاستغراب مشروعًا، بل موجعًا، حين نرى حملةً تُشنّ ضد هذا العمل الخيري وضد النائب الذي يشرف عليه، من قِبل بعض المدوّنين الذين لا يعرفون حقيقة المنطقة ولا يدركون عمق الحاجة فيها، فينتقدون من أجل الانتقاد، ويُسفّهون كل عملٍ من هذا القبيل دونما دليلٍ أو بيّنةٍ أو وازعٍ أخلاقيٍّ أو دينيّ. والأغرب من ذلك أنهم يتقمّصون الوقوف إلى جانب المواطنين، ويتزيّنون بشعارات الدفاع عنهم، ومع ذلك تسوءهم خدمةٌ مجانيةٌ تُقدَّم لمواطنين محتاجين! أي تناقضٍ هذا؟ وأي منطقٍ يجعل من علاج الفقراء مدعاةً للتشكيك بدل أن يكون محلّ إشادةٍ ودعم؟
إنّ النقد حقٌّ، بل ضرورة، لكنّه لا يكون نقدًا إلا إذا كان مسؤولًا، يستند إلى الوقائع، ويحترم الحقيقة، ويزن الأمور بميزان الإنصاف. أمّا أن يتحوّل إلى صخبٍ رقميٍّ يتغذّى على التشويه ويبحث عن التفاعل ولو على أنقاض المعروف، فذلك ليس نقدًا… بل هو إفلاسٌ أخلاقيٌّ يُجرّد صاحبه من قيمته قبل أن يُجرّده من حجّته.
إنّ قافلة بومديد الطبية تقدّم نموذجًا نادرًا لما ينبغي أن تكون عليه الخدمة العمومية والعمل الخيري: قُربًا من الناس، فعلًا ملموسًا، احترامًا للكرامة، وتخفيفًا لمعاناة محتاجين. ولهذا فإنّ الإشادة بها وبالقائمين عليها — وفي مقدمتهم النائب الموقر السيد محمد الأمين ولد الشيخ الغزواني — ليست انحيازًا لأشخاص، وإنما هي انحيازٌ للحقّ، وللمنطق، ولحقيقةٍ يراها كل من له حظٌّ من الموضوعية والإنصاف بعيدًا عن التعصب والأحكام المسبقة.

 

بقلم : المختار ولد خيه 

ثلاثاء, 06/01/2026 - 10:53