
"
ماتزال الأحداث والأيام تثبت مرة بعد أخرى أن القوة ليست دائمًا مادية ولاسلاح فتاك، ولا وعدّةكبيرة، ولا حتى ما تحوزه الدول من نفوذ وهيمنة، بل إن لله سننٌ ثابتة، تتجلى في منطق آخر، يتبين حين تصطدم القوة المادية بالإيمان الراسخ، ومن أبلغ الأمثلة على ذلك “دلتا” الأمريكية بين غزة وفنزويلا.
فقوة دلتا الأمريكية، التي تُعد من أخطر وأكفأ الوحدات العسكرية في العالم، نفذت عملية خاطفة في فنزويلا، دولة ذات سيادة، وقوة وعتاد، وتمكنت خلال ساعتين فقط من قهر الحماية، والوصول إلى رأس النظام، في مشهد يدعو للدهشة والتأمل.
حين تكون المواجهة لأنظمة بمفهوم الدولة، أنظمة تفتقر إلى الحاضنة العقائدية، والإيمان الراسخ، أي ما تتميز به غزة.
غزة التي فشلت فيها أمريكا وإسرائيل، على مدى عامين كاملين، بكل ما تملكانه من أقمار صناعية، وطائرات شبح، وقوات خاصة، ودعم دولي مفتوح، فشلت في تحقيق أبسط أهدافهما:
لم يحرروا أسيرًا واحدًا،
ولم يكسروا عزيمة المقاومين،
ولم يُضعفوا روح رجال ونساء باعوا أنفسهم لله، صابرين محتسبين.
غزة الصغيرة، المحاصَرة، الجائعة، وقفت في وجه أقوى قوة في التاريخ الحديث، لا لأنها تملك ما تملكه "دلتا" من عتاد، بل لأنها تملك ما لا تملكه "دلتا" معية الله، تلك المعية التي تكون لعباده المؤمنين المخلصين، «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ»، وليست غزة بدعًا من التاريخ.
تلك المعية التي رافقت بلال بن رباح رضي الله عنه، العبدٌ الأعزل، وهو يُعذَّب تحت لهيب مكة، توضع الصخرة على صدره، ويُجلد، ويُهان، فيثبت وهو كرر كلمة واحدة تهزم جلاديه: أحدٌ أحد، كلمة تترجم قوة العقيدة، التي تجعل الجسد الضعيف لا يُقهر.
وفي مثال العدة والعتاد نجد أهل بدر، حين خرجو في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا، لا يملكون إلا القليل من السلاح، في مواجهة جيش يفوقهم عددًا وعدّة، فكانت النتيجة نصرٌ غيّر وجه التاريخ، لأن معية الله كانت حاضرة: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ».
وفي الأحزاب، اجتمعت قوى الكفر كلها للقضاء على المسلمين، حتى قال الناس: لا طاقة لنا بهم، فثبت المؤمنون، فجاء نصر الله على هيئة ريح وجنود لم يروها.
وفي اليرموك، سقط غرور الإمبراطورية الرومانية أمام رجال حملوا عقيدة لا تعرف الهزيمة.
وفي عين جالوت، انهزم التتار الذين لم يُهزموا من قبل، حين واجهوا أمة استعادت صلتها بالله.
وهكذا في غزة اليوم: ليست "دلتا" عاجزة، ولا أمريكا ضعيفة، ولا ضانة بشيء، لكنها تقف أمام قوم فهموا معنى: «كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ».
بهذا نفهم أن الفارق بين "دلتا" في فنزويلا و"دلتا" في غزة، هو الفارق بين جسد بلا روح، وروح تؤمن بالله، وكيف يواجه سلاح العقيدة، والإيمان، التكنولوجيا، ونفهم لماذا تُقهَر القوى العظمى أحيانًا، لا لأنها فقدت سلاحها، بل لأنها واجهت قومًا باعوا أنفسهم لله، إيمانا بقوله جل من قائل {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} وإنه لجهاد.. نصر أو استشهاد.


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)