
أعاد المجلس الأعلى للفتوى والمظالم إلى واجهة النقاش العمومي واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدا في المجتمعات المسلمة المعاصرة، حين أكد في فتوى رسمية أن إخراج الأبناء من المدارس الأجنبية التي يُخشى منها على الدين والمعتقد والتربية السلوكية “واجب شرعي متأكد”، محمّلا الأب المسؤولية الأولى عن ذلك.
فتوى لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة، ولا عن الجدل القائم منذ سنوات حول التعليم الأجنبي، وجدواه، وحدوده، وأثره على الهوية الدينية والقيمية للأجيال الناشئة.
وتنطلق الفتوى من سؤال محدد، لكنه يعكس هاجسا عاما لدى شريحة واسعة من الأسر، وهو الخوف على عقيدة الأبناء وتربيتهم في بعض المدارس الأجنبية، خصوصا حين تتضمن مناهجها أو بيئتها التعليمية ما يتعارض مع ثوابت الإسلام أو يستهين بشعائره.
وقد شدد المجلس، بصفته هيئة دستورية رسمية، على أن حفظ الدين مقدم على غيره من المصالح، باعتباره أول الضروريات الخمس التي اتفقت عليها الشرائع، وهو ما يمنح الفتوى بعدا مؤسسيا يتجاوز الرأي الفقهي الفردي إلى توجيه عام له ثقله الاعتباري.
إن أبرز ما أثار الانتباه في الفتوى هو التأكيد الصريح على أن المسؤولية الأولى في هذا الباب تقع على عاتق الأب، باعتباره صاحب الولاية في التعليم والتربية، وأنه “ليس للأم الحق في منعه” إذا ثبت خطر المدرسة على دين الأبناء.
هذا الطرح يعكس التصور الفقهي المعتمد لتوزيع الأدوار داخل الأسرة، حيث تُسند الحضانة والرعاية اليومية للأم، بينما تُناط الولاية العامة والتوجيه التربوي بالأب. لكنه في الوقت ذاته يفتح نقاشا طارئا حول كيفية تنزيل هذا التصور في مجتمع تشارك فيه الأم بقوة في القرارات المصيرية داخل البيت.
لم تذهب الفتوى إلى تحريم مطلق للتعليم الأجنبي، بل تربط الحكم بوجود الخشية المعتبرة شرعا على العقيدة والتربية، وهو قيد مهم يخرج النقاش من التعميم إلى التقييم الموضوعي.
غير أن هذا التقييد يطرح إشكالية عملية حول من يحدد درجة الخطر؟ وهل الخطر في المنهج أم في البيئة أم في غياب الرقابة الأسرية؟ وهل يكفي تحسين المتابعة والتوجيه داخل الأسرة، أم أن الخروج من المدرسة يظل الخيار الوحيد؟
أسئلة تظل مفتوحة، وتكشف أن القضية أعمق من مجرد فتوى، بل تتصل بنموذج التعليم، ومكانة الهوية، وقدرة المنظومة الوطنية على توفير بدائل تعليمية تجمع بين الجودة العلمية والانسجام القيمي.
ومن شأن هذه الفتوى أن تعيد طرح مسألة ضبط التعليم الأجنبي ومناهجه، ودور الدولة في الرقابة والتقنين، بدل ترك الأسرة وحدها في مواجهة خيارات معقدة.
وتؤكد فتوى المجلس الأعلى للفتوى والمظالم أن قضية التعليم ليست مسألة تقنية أو اختيارا فرديا محضا، بل هي قرار حضاري وقيمي يتصل بمستقبل المجتمع وهويته.
وبين واجب حماية الدين ومتطلبات الانفتاح على العالم، يظل التحدي الحقيقي هو بناء منظومة تعليمية وطنية قوية، قادرة على تحصين الأبناء علميا وأخلاقيا، دون أن تضطر الأسر للاختيار القسري بين الجودة والهوية.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)