حدث وتعليق/ الزوبعة التي أثارتها كلمة السفير حول المأموريات الرئاسية تثير غبار المخاوف

الوئام الوطني : أثارت تصريحات السفير الموريتاني في الدوحة، محمد ولد ببانه، حول إدراج مسألة المأموريات ضمن القضايا المطروحة للنقاش في الحوار الوطني المرتقب، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، أعادت إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات حساسية في التجربة الديمقراطية الموريتانية. ورغم أن الرجل قدّم حديثه في إطار فكري تحليلي، يستند إلى تطور التجربة الدستورية وخصوصيات المجتمع، فإن التوقيت والسياق السياسي جعلا من تصريحاته شرارة زوبعة تجاوزت مضمونها الظاهر إلى دلالات أعمق.

ولد ببانه لم يدعُ صراحة إلى إلغاء تحصين المأموريات، لكنه فتح باب النقاش حول مدى ملاءمة هذا الخيار، الذي وصفه بالمستوحى من نماذج غربية، للواقع الموريتاني، معتبرا أن الحوار الوطني فرصة لمعالجة “الاختلالات السياسية والتنموية” التي رافقت المسار الوطني منذ الاستقلال. غير أن مجرد إعادة طرح هذا الملف، الذي يُنظر إليه بوصفه من “المحرمات الدستورية”، كان كافيا لإطلاق صافرات الإنذار لدى طيف واسع من الفاعلين السياسيين.

وكشفت ردود الفعل التي تلت التصريحات أن مسألة المأموريات لم تعد مجرد موضوع دستوري قابل للأخذ والرد، بل تحولت إلى رمز سياسي وأخلاقي للتداول السلمي على السلطة.

فالمحلل السياسي ، السيد عبد القادر ولد احمدو، شدد على أن تحصين هذه المواد جاء في سياق تاريخي محدد، هدفه القطع مع الانقلابات وعدم الاستقرار، محذرا من أن فتحها اليوم يمثل خطرا يتمثل في توظيف الدستور وفق المصالح الظرفية، وهو ما يفقد الخطاب القانوني مصداقيته ويهدد فكرة دولة المؤسسات، بحسب تعبيره.

أما رئيس حزب "جمع"، المؤيد لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، السيد محمد جميل منصور، فقد ذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن الدعوة إلى نقاش المأموريات "إساءة للمكاسب الديمقراطية، ولا تخدم حتى رئيس الجمهورية نفسه"، الذي لم يُبدِ، بحسبه، أي رغبة في التمديد.

وفي هذا الخطاب يظهر بوضوح خوف النخبة السياسية من أن يتحول النقاش النظري إلى مدخل لتآكل أحد آخر أعمدة الديمقراطية الناشئة.

ومن زاوية أخرى، قرأ الصحافي المستقل، السيد الهيبة الشيخ سيداتي، تصريحات السفير في سياق سياسي أكثر تعقيدا، مرجحا أن يكون الحديث المتزامن عن المأموريات محاولة مبكرة لإرباك الحوار الوطني أو إفشاله، خاصة في ظل وجود ملفات شائكة أخرى، مثل ملف الإرث الإنساني، والتي قال إنها لا تحظى بإجماع داخل الأغلبية.

هذا الطرح يعكس تخوفا من أن تتحول القضايا الخلافية إلى أدوات لتفجير الحوار قبل انطلاقه، بدل أن تكون جسورا للتوافق.

وتتقاطع هذه القراءة مع موقف البرلمانية، السيدة منى بنت الدي، التي اعتبرت الحديث عن مأمورية ثالثة “عبثًا سياسيًا”، مؤكدة أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني غير معني به، وأن المأموريات تمثل “مقدسا ديمقراطيا” وضمانة للاستقرار في محيط إقليمي مضطرب.

وهنا يتضح أن الدفاع عن تحصين المأموريات لا ينطلق فقط من منطلق قانوني، بل من هاجس أمني وسياسي أوسع.

وتكشف الزوبعة التي أثارتها تصريحات ولد ببانه عن مفارقة أساسية في المشهد الوطني، فمن جهة، هناك إجماع معلن على أهمية الحوار الوطني وضرورة مناقشة كل الاختلالات، ومن جهة أخرى، هناك خطوط حمراء غير قابلة للمساس، يُنظر إلى تجاوزها بوصفه تهديدا للاستقرار والتجربة الديمقراطية.

كما تطرح القضية سؤالا حول حدود حرية التعبير السياسي بالنسبة للمسؤولين الرسميين، خاصة حين يتعلق الأمر بملفات دستورية محصنة.

ويبدو أن الجدل لم يكن حول مضمون التصريحات بقدر ما كان حول رمزيتها وتوقيتها. فالمأموريات في موريتانيا لم تعد مجرد نصوص دستورية، بل أصبحت تعبيرا عن تعاقد سياسي يخشى كثيرون أن يؤدي أي مساس به إلى إعادة فتح أبواب الماضي المليئ بالانقلابات العسكرية التي تقوّض التجربة السياسية الناشئة.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

سبت, 31/01/2026 - 20:22