
في مستهل زيارته لمدينة كيهيدي، اختار رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني أن يخاطب المواطنين بخطاب يتجاوز حدود الترحيب والرسائل الظرفية، ليقدّم ما يشبه “بيانا سياسيا– اجتماعيا” يعيد ترتيب الأولويات الوطنية، ويضع مفهوم المواطنة في صدارة المشروع الجامع للدولة الموريتانية.
فالخطاب، من حيث المضمون والنبرة، لم يكن مجرد حديث إلى سكان ولاية، بل موجّها إلى عموم الموريتانيين، في سياق إقليمي ودولي مضطرب، وداخلي حساس، يتطلب إعادة التأكيد على الثوابت.
لقد انطلق فخامة الرئيس من رمزية المكان، واصفا گورگول بالولاية “الجميلة ذات التاريخ العريق”، لكنه سرعان ما حمّل الحشد الجماهيري دلالة أعمق، حين اعتبره “صورة مصغرة للوطن”.
هذا التوصيف لم يكن إنشائيا، بل مدخلا ذكيا لبناء سردية الخطاب: موريتانيا المتنوعة، بتعدد مكوناتها الثقافية واللغوية، والمجتمعة في إطار رباط وطني واحد.
وحتى إشارته إلى عدم إتقانه البولارية أو السوننكية لم تأتِ في سياق اعتذاري فقط، بل كتمهيد سياسي وفكري للتأكيد على أن التنوع اللغوي واقع يجب احترامه، دون أن يتحول إلى عائق أمام التواصل الوطني أو مدخل للفرز.
وفي محور الأمن، قدّم فخامة الرئيس قراءة واقعية للبيئة الدولية المتأزمة، حيث النزاعات والإرهاب وعدم الاستقرار، ليخلص إلى أن ما تعيشه موريتانيا من أمن واستقرار هو “نعمة” تستوجب الحذر واليقظة.
اللافت هنا أن الخطاب تجنّب لغة التفاخر أو الاستثمار السياسي المباشر في الملف الأمني، وربط النجاح الأمني بثلاثية: وعي المواطنين، يقظة القوات المسلحة والأمنية، وحسن تدبير الدولة. وهي صيغة تُحمّل المسؤولية للجميع، وتؤكد أن الأمن ليس إنجاز سلطة فقط، بل حصيلة عقد اجتماعي غير مكتوب.
وأعاد الخطاب التذكير بنهج التهدئة السياسية الذي اعتمدته السلطة منذ البداية، من خلال نزع التوتر والانفتاح على مختلف الأطراف، تمهيدا لحوار وطني شامل “توشك حلقاته على الاكتمال”.
هذا المقطع يحمل رسالة مزدوجة، تفيد بطمأنة للفاعلين السياسيين بأن الحوار ليس شعارًا، وتحمل رسالة للرأي العام بأن الخلافات السياسية، مهما بلغت، لا يجب أن تهدد السلم الاجتماعي أو تعيق مسار التنمية.
وفي المجال الاقتصادي، استند الرئيس إلى أرقام النمو (بين 4.5 و6%) ليؤطر حديثه عن الإنجازات، لكنه سرعان ما ربطها بالواقع الملموس في ولاية گورگول، معتبرا إياها ركيزة للسيادة الغذائية.
وهنا يبرز البعد العملي للخطاب، من خلال الحديث عن السدود، واستصلاح الأراضي، وتحسين الصحة الحيوانية، وفك العزلة، باعتبارها عناصر تترجم الرؤية الوطنية إلى مشاريع محلية، وتربط الخطاب السياسي بحياة المواطنين اليومية.
وكان الجزء الأعمق والأكثر حساسية في الخطاب، بلا شك "، حديثه عن الوحدة الوطنية والمواطنة. فقد قدّم الرئيس مقاربة فكرية واضحة، تقوم على التفريق بين “الاختلاف” بوصفه ثراءً ثقافيا مشروعا، وبين “ترتيب الحقوق على أساس الاختلاف”، الذي اعتبره مدخلا لثلاثة مخاطر وجودية: تفكك الشعب، تآكل الوحدة الوطنية، وتهديد استمرارية الدولة.
هذا الطرح يضع المواطنة، لا الانتماء الجزئي، أساسا وحيدا للحقوق والواجبات، ويعيد تعريف التمييز الإيجابي باعتباره إجراءً اجتماعيا مؤقتا لفائدة مواطنين في وضعية هشاشة، لا امتيازا دائما لمكونات بعينها.
وفي مقطع لافت، تطرق الرئيس إلى التاريخ الوطني بنبرة تصالحية، معترفا بوجود “صفحات نود لو أنها ما كتبت”، دون تسمية أو تهرّب. لكنه شدد في المقابل على أن الشعوب القوية هي التي تعترف بتاريخها كاملا وتتجاوزه، محذرا من الارتهان الدائم لآلام الماضي.
هذه الدعوة لا تنفي الذاكرة، لكنها تضعها في إطارها الصحيح، باعتبارها أداة للعبرة لا وسيلة لتعطيل المستقبل.
ويمكن القول إن خطاب كيهيدي لم يكن خطاب زيارة عادية، بل محاولة واعية لإعادة تأسيس النقاش الوطني حول سؤال الهوية، والوحدة، والمواطنة، في لحظة إقليمية دقيقة.
لقد راهن الخطاب على الوعي، وطالب الموريتانيين بشراكة في حماية الأمن، وبناء الدولة، وتجاوز رواسب الماضي، على أساس مواطنة جامعة، لا تميّز فيها إلا بالكفاءة والالتزام.
وبهذا المعنى، فإن رسالة كيهيدي تتجاوز المدينة والولاية، لتؤكد أن الرهان الحقيقي للمرحلة القادمة ليس فقط في المشاريع والإنجازات، بل في ترسيخ وعي وطني جامع، يجعل من المواطنة حجر الأساس لبناء موريتانيا المستقرة والمزدهرة.
إسماعيل ولد الرباني
المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)