خطاب لگصيبه.. من الجدل العقاري إلى الحسم التنموي/ إسماعيل ولد الرباني

شكّل الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في مقاطعة لگصيبه بولاية گورگول لحظة مفصلية أنهت جدلا واسعا غذّته قراءات سياسية ضيقة، وسوّقته للرأي العام على أنه “مشكل عقاري”، بينما هو في جوهره خيار تنموي واستراتيجي للدولة ضمن رؤية شاملة لإعادة صياغة مستقبل الزراعة في موريتانيا.

فمن خلال رسائل واضحة وحاسمة، وضع الرئيس النقاط على الحروف، مؤكدا أن الأرض ملك للدولة، وأن الحكومة ماضية دون تردد في تنفيذ استثمارات عمومية كبرى، لا تخضع للمزايدات ولا للمقايضات السياسية.

وبهذا الحسم، أعاد الخطاب ترتيب المفاهيم، وفصل بين الحق المشروع في الاستغلال الزراعي، وبين محاولات توظيف الملف لأغراض غير تنموية.

الخطاب لم يكن دفاعا عن قرار إداري، بقدر ما كان إعلانا عن مسار اقتصادي جديد، يقوم على إطلاق ثورة زراعية غير مسبوقة. فقد استعرض الرئيس مكونات هذا التوجه الطموح، من شق القنوات وتهيئة المساحات الزراعية، إلى بناء السدود الكبرى، وتوفير آليات المكننة والمدخلات الزراعية، في مقاربة متكاملة تهدف إلى استغلال أمثل للموارد، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

وفي مواجهة المخاوف التي أُثيرت، طمأن رئيس الجمهورية المزارعين بأن أي أراض مستغلة حاليا في النشاط الزراعي لن تُنتزع ملكيتها، مؤكدا أن الهدف ليس الإقصاء أو المصادرة، بل التثمين والتحويل من الاستغلال التقليدي المحدود إلى مشاريع إنتاجية كبرى قادرة على خلق القيمة المضافة، ورفع المردودية، وتحسين الظروف المعيشية للسكان.

الأهم في الخطاب أنه نقل النقاش من مربع “من يملك الأرض؟” إلى سؤال أكثر عمقا: “كيف نُحسن استغلال الأرض؟”. فوفق الرؤية التي عرضها الرئيس، فإن العرض من المساحات الزراعية المهيأة سيتجاوز قريبا حجم الطلب المحلي، ما يفتح أفقا جديدا يتمثل في البحث عن شراكات دولية مثمرة، قادرة على استيعاب هذا التطور وتحويله إلى رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني، عبر نقل الخبرات، وتطوير سلاسل الإنتاج، وولوج الأسواق الإقليمية والدولية.

وبهذا المعنى، فإن خطاب لگصيبه لا يمكن فصله عن السياق العام لسياسات الدولة خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلت من الزراعة ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، وأداة لتحقيق السيادة الغذائية، ومجالا واعدا لتشغيل الشباب وتثبيت السكان في مناطقهم.

لقد حسم الخطاب الجدل، وأعاد توجيه البوصلة نحو جوهر المسألة المتمثل في كون موريتانيا مقبلة على نهضة واعدة، أساسها الاستثمار في الزراعة وتثمين مقدرات البلاد، بعيدا عن الضجيج، وقريبا من منطق الدولة ورهانات المستقبل.

 

إسماعيل ولد الرباني

المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

 

جمعة, 13/02/2026 - 10:08