زيارة الرئيس الغزواني إلى كوركول: رسائل الوحدة والتنمية من الميدان

 

الوئام الوطني - شكّلت الزيارة التي أداها رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى ولاية كوركول محطة سياسية وتنموية بارزة، حملت في مضامينها رسائل واضحة حول أولويات المرحلة، وأكدت مجددًا أن التنمية المتوازنة وتعزيز الوحدة الوطنية تمثلان جوهر المشروع الإصلاحي الذي يقوده منذ توليه مقاليد الحكم.

وقد تنقّل الرئيس بين مقاطعات الولاية الخمس: كيهيدي، مقامة، أمبود، لكصيبة، ومونكل، في جولة ميدانية اتسمت باللقاءات المفتوحة مع الأطر والوجهاء والمواطنين، ما أضفى عليها طابعًا تشاركيًا مباشرًا.

كوركول… رمزية الانطلاقة وتجديد العهد

أكد رئيس الجمهورية في لقائه بأطر ووجهاء كيهيدي أن كوركول هي أكثر الولايات التي زارها منذ توليه الحكم، ومنها أُطلقت “المدرسة الجمهورية”، باعتبارها أحد أهم مكونات البرنامج الانتخابي الذي حاز ثقة الشعب على أساسه، ومنها كذلك أُعلن “نداء جول” الذي لا يزال يشكل مرجعية سياسية وأخلاقية للدعوة إلى التهدئة والوحدة.

هذا التذكير يحمل بعدًا رمزيًا واضحًا، فاختيار كوركول كمنطلق لمشاريع كبرى يعكس مكانتها في التصور التنموي الوطني، كما يجدد الالتزام بمضامين الإصلاح التربوي وترسيخ الهوية الجامعة.

الوحدة الوطنية في صلب الرؤية السياسية

في مختلف محطات الزيارة، شدد رئيس الجمهورية على أن كل الجهود السياسية والتنموية والاجتماعية ترمي إلى تعزيز اللحمة الاجتماعية وترسيخ الوحدة الوطنية.

وحدد أسس هذه الوحدة في الاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي كثروة وطنية، وترسيخ مبدأ المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات، والتأكيد أن أي تمييز إيجابي هو دعم لفئات في أوضاع خاصة لا امتياز لمكونات بعينها.

هذا الطرح يعكس رؤية تقوم على إدارة التنوع ضمن إطار الدولة الجامعة، بما يحول دون توظيف الفوارق الاجتماعية أو الثقافية في تأجيج الانقسام.

الاستثمار والخدمات… تعميم العدالة التنموية

في كيهيدي، تحدث الرئيس عن تصاعد حجم الاستثمارات في المقاطعة، متعهدًا بتعميم الخدمات على جميع سكان الولاية، ومؤكدًا أن محاربة التفاوت وغياب العدالة في توزيع الفرص تمثل أولوية قصوى.

وشدد على أن الفئات الهشة ستظل في صدارة الاهتمام، وأن الهدف الأساس هو ضمان العيش الكريم للجميع، بما يعكس توجّهًا نحو تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية وتحقيق تنمية أكثر شمولًا.

الحالة المدنية والتكوين المهني… إدماج وتمكين

في مقاطعة مقامة، برز محوران أساسيان.

تعهد الرئيس ولد الشيخ الغزواني باتخاذ تدابير لتمكين غير المسجلين في الحالة المدنية، خاصة في المناطق النائية، داعيًا المواطنين إلى الإقبال على مراكز التسجيل، في خطوة تعزز المواطنة القانونية وتضمن ولوج الجميع إلى الخدمات والحقوق.

كما كشف الغزواني عن رفع الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التكوين المهني من أربعة آلاف إلى عشرين ألف مقعد، على أن تصل إلى ثلاثة وعشرين ألفًا مع نهاية العام، في توجه استراتيجي لتمكين الشباب غير المتمدرسين من اكتساب مهارات عملية والاندماج في سوق العمل.

وأشار كذلك إلى ضرورة استغلال الأراضي الخصبة والمياه المتوفرة في الزراعة، بما يعزز الأمن الغذائي ويحول الإمكانات الطبيعية إلى قيمة مضافة اقتصادية.

مكافحة الإقصاء والفوارق… تشخيص صريح في أمبود

في أمبود، اتسم خطاب ولد الشيخ الغزواني بنبرة صريحة، إذ أُقرّ بوجود مواطنين ما زالوا على الهامش، وباستمرار الفوارق الاقتصادية والمعيشية، بل وحتى بعض الفوارق المذمومة في الأذهان.

وأكد استمرار الجهود لمكافحة الإقصاء، ومتابعة تنفيذ التوجيهات للحكومة بشأن تركيز جهودها على تلبية احتياجات المواطن من الخدمات الأساسية، في مقاربة واقعية لا تنكر التحديات بل تضعها ضمن خطة عمل واضحة.

الأمن الغذائي والسيادة الوطنية في لكصيبة

في لكصيبة، جرى التأكيد على أن تحسين ظروف العيش يمر حتمًا عبر تحقيق الأمن الغذائي، باعتباره أحد أعمدة السيادة الوطنية.

وأُشير إلى أن أزمة كورونا 2020 كشفت مخاطر الاعتماد على استيراد الغذاء، ما يستدعي تعزيز الإنتاج المحلي وتسريع وتيرة العمل الزراعي، خاصة في المناطق ذات الإمكانات الواعدة مثل كوركول.

التهدئة السياسية… رسالة مونكل

في مونكل، المحطة الأخيرة من الزيارة، جُدد التأكيد على خيار التهدئة والانفتاح، مع تثمين الروح الوطنية التي تحلت بها مختلف الأطراف السياسية، أغلبية ومعارضة.

كما تم التشديد على أن ما لا يتحقق بالنقاش والحوار لا يمكن أن يتحقق بغيرهما، مع التعهد بالتصدي لأي استغلال سيئ من شأنه الإضرار بجو التهدئة، في تأكيد واضح على أن الحوار يظل الأداة الأساس لإدارة الاختلاف.

الخلاصة

يمكن قراءة زيارة رئيس الجمهورية إلى ولاية كوركول بوصفها تجديدًا لرمزية الولاية كمهد لمشاريع إصلاحية كبرى، وتأكيدًا على أولوية الوحدة الوطنية القائمة على المواطنة والاعتراف بالتنوع، وتعزيزًا لنهج العدالة الاجتماعية عبر التركيز على الفئات الهشة ومحاربة التفاوت، ودفعًا قويًا نحو التكوين المهني والأمن الغذائي كرافعتين للتنمية المستدامة، وترسيخًا لثقافة التهدئة والحوار السياسي كخيار استراتيجي لإدارة الشأن العام.

لقد حملت الزيارة رسائل سياسية واجتماعية واقتصادية متكاملة، تؤكد أن التنمية ليست مشاريع معزولة، بل رؤية شاملة تربط بين المواطنة والعدالة والسيادة والوحدة الوطنية.

جمعة, 13/02/2026 - 17:05