معالم في الطريق؛ زيارة كوركول.. /أحمد ولد الدوه

قُبيل الزيارة، تبارت الألسن في التأويل، وتقاطعت الظنون، واشتغلت بعض المنابر على نسج رواياتٍ مسبقة تتعلق بشعبية جهات مناوئة، وقوميات تحمل مظلمة من عهد آخر؛ غير أن ما جرى على أرض كوركول؛ كان أبلغ من كل تعليق. 

فالزيارة ـ لمن يُحسن قراءة العلامات ـ كانت كشفًا لمعالم مرحلةٍ تتكرس فيها معادلات جديدة بين الدولة ومواطنيها، وبين المركز وأطرافه، وبين الرمز وامتداده الشعبي.

- المَعْلَم الأول: تجلّى في رسالة التسامح التي عبّر عنها فخامة الرئيس في كيهيدي؛ رسالة تدعو إلى تجاوز المحن الفائتة، وطيّ صفحات الألم دون إنكارها، وتحرير الوعي الوطني من الارتهان المستمر للماضي. 

كان الخطاب توجيهًا للبوصلة نحو المستقبل، فالأمم — كما ألمح فخامة الرئيس— لن تبني غدها وهي مشدودة إلى جراحها، فهي قادرة على تحويل التجربة إلى حكمة، والذاكرة إلى دافعٍ للإصلاح لا وقودًا للانقسام؛ هنا بدت الدعوة واضحة: أن يكون الاهتمام بالمستقبل، وأن يُستثمر الحاضر فيما يجمع، لا فيما يفرّق.

- المَعْلَم الثاني: برز في خطاب يؤكد أن موريتانيا للكل، وأن من حق كل موريتاني "حقيقي" أن يحصل على أوراقه الثبوتية كاملة غير منقوصة. 

الأمر أعطى تثبيتًا لمعنى الدولة الجامعة؛ دولة لا تُقصي أبناءها، ولا تتركهم في منطقة رمادية بين الانتماء والاعتراف، إنها إشارة إلى أن المواطنة حقٌّ أصيل، وأن الهوية الوطنية مظلة واسعة لا تضيق بأحد.

- المَعْلَم الثالث: جاء في استحضار معنى الاكتفاء والسيادة؛ فبلدٌ لا يزرع ما يأكل، سيظل رهينًا لغيره، مهما امتلك من الشعارات، كانت تلك العبارة — في ظاهرها اقتصادية — لكنها في جوهرها رؤية استراتيجية تربط الأمن الغذائي بالاستقلال الوطني، وتعيد الاعتبار للأرض والعمل والإنتاج، باعتبارها ركائز السيادة الحقيقية.

- المَعْلَم الرابع: تجسد في طمأنينة الحضور الرئاسي، فالرئيس الذي يتحرك في القصر الرئاسي بهدوء وثقة مع حد واضح من المظاهر الأمنية، وغياب للتشويش، بدا في المناطق الحدودية بالطمأنينة ذاتها، إذ لا فرق بين مركز الدولة وتخومها؛ لأن الشرعية التي تستند إلى ثقة الناس لا ترتجف بتبدل الجغرافيا؛ كانت الرسالة واضحة، وهي أن الاستقرار حالة وعي، وليس مجرد ترتيبات أمنية.

- ثم جاء المَعْلَم الأعمق: أن من حق المواطن أن يتكلم، لأن الرئيس سينصت في محطات الزيارة، الأمر الذي أوضح أن المساحة مفتوحة لصوت الناس، لمطالبهم، لملاحظاتهم، لشكواهم؛ وهنا تتجلى قيمة الإصغاء باعتباره أساسًا للعقد السياسي بين الحاكم والمحكوم.

كما أضافت الزيارة مَعْلمًا سياسيًا لافتًا؛ فقد أثبتت أن لا أحزاب، ولا منظمات، ولا فاعلين يمكن أن يكونوا وسيطًا بين الرئيس وشعبه، حين يتجسد الالتفاف الشعبي بهذه الصورة؛ فقد تجمهر الناس تحت مظلة واحدة، عنوانها التعلق بالإصلاح الذي يقوده شخص الرئيس، في علاقة مباشرة تقوم على الثقة والانتماء.

وفي خلفية كل ذلك، ذابت خلافات الموالاة، وتراجعت الحسابات الصغيرة أمام سطوة الحضور الرئاسي؛ فحين يحضر الرمز، تتوحد الإشارات، ويتقدم الصف، وتعلو المصلحة العامة على ما سواها.

هكذا كرست زيارة كوركول؛ معالم واضحة على طريق دولةٍ تتصالح مع ماضيها دون أن ترتهن له، وتبني مستقبلها بإرادة جامعة، وتؤكد أن الوطن يتسع للجميع، وأن الكلمة مسموعة، وأن الإصلاح مسارٌ يُصان بالثقة والعمل.

       أحمد ولد الدوه 
إعلامي مهتم بالشأن السياسي

 

سبت, 14/02/2026 - 09:51