حدث وتعليق/ برنامج رمضاني بأبعاد استراتيجية.. قراءة تحليلية في تدخلات «التآزر» الاستثنائية

في توقيت بالغ الدلالة الاجتماعية، أشرف فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الأربعاء في نواكشوط، على إطلاق برنامج استثنائي لتدخلات المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء التآزر، بمناسبة شهر رمضان المبارك 1447هـ، بغلاف مالي يتجاوز 10.6 مليار أوقية قديمة، مستهدفا قرابة 380 ألف أسرة على امتداد التراب الوطني.

لا يمكن قراءة هذا البرنامج خارج السياق العام لخيارات الدولة الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، حيث باتت الحماية الاجتماعية ركيزة مركزية في السياسات العمومية، لا مجرد تدخل موسمي. فإطلاق برنامج بهذا الحجم، وبهذا التنوع في الأدوات، يعكس إرادة سياسية واضحة في الانتقال من مقاربة الإغاثة الظرفية إلى منطق الاستهداف المنظم، القائم على قواعد بيانات اجتماعية ومعايير هشاشة دقيقة.

إن رمز الكلفة الإجمالية للبرنامج لا يكتفي بالدلالة على السخاء المالي، بل يحمل رسالة سياسية مفادها أن شهر رمضان يُتعامل معه باعتباره لحظة اختبار حقيقية لنجاعة السياسات الاجتماعية، خصوصا في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع كلفة الحياة.

ويستأثر محور التحويلات النقدية بالحصة الأكبر من الغلاف المالي، إذ ستستفيد 143.494 أسرة من تحويلات منتظمة بقيمة تناهز 8.8 مليارات أوقية قديمة، وهو خيار يعكس قناعة متزايدة بأن الدعم النقدي المباشر أكثر مرونة، ويمنح الأسر هامشا أوسع لتدبير احتياجاتها وفق أولوياتها الفعلية.

ولا يقتصر البرنامج على ضخ السيولة في يد المستفيدين، بل يتدخل أيضا على مستوى السوق، خاصة في الوسط الريفي، عبر تموين 1.280 محلًا تجاريًا بـ 96.300 طن من المواد الغذائية الأساسية، لفائدة 150 ألف أسرة. هذا التوجه يهدف إلى تحقيق معادلة مزدوجة، تتعلق بضمان توفر المواد الأساسية، والحد من المضاربات والاختناقات التي ترافق عادة فترات الذروة الاستهلاكية.

كما تعزز بطاقات التموين الغذائي، التي ستستفيد منها أكثر من 172 ألف أسرة، هذا المنطق، من خلال الجمع بين الاستهداف الاجتماعي ودعم العرض المحلي.

ومن بين أبرز ملامح البرنامج، فتح نقاط بيع للمواد الغذائية بأسعار مدعومة، إضافة إلى تخصيص 12 نقطة لبيع اللحوم الحمراء في عواصم الولايات الداخلية بسعر 1.400 أوقية قديمة للكيلوغرام. ورغم أن عدد المستفيدين اليومي سيكون محدودا نسبيا، إلا أن الأثر الرمزي والاجتماعي لهذه الخطوة كبير، لكون اللحوم تمثل عنصرا حساسا في مائدة رمضان، وغالبا ما تكون خارج متناول الفئات الأشد هشاشة.

إن برنامج «التآزر» الرمضاني ليس مجرد حزمة إجراءات ظرفية، بل يندرج ضمن رؤية أشمل تسعى إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي، عبر حماية القدرة الشرائية، وتكريس العدالة الاجتماعية، وربط الدعم العمومي بمعايير الاستهداف والنجاعة. وهو ما يجعل من هذا التدخل اختبارا عمليا لقدرة السياسات الاجتماعية على ملامسة حياة المواطنين في أكثر لحظاتها حساسية، وتحويل التضامن من شعار موسمي إلى ممارسة مؤسسية مستدامة.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

خميس, 19/02/2026 - 12:37