
منذ ما يقارب العقدين، اختار المغرب أن يضع نفسه في مسار مختلف داخل محيطه الإقليمي، مسار يقوم على مواكبة التحولات الكبرى التي تشهدها بلدان العالم الأول، ليس عبر الشعارات، بل من خلال إصلاحات هيكلية، واستثمارات استراتيجية، ورؤية بعيدة المدى تسعى إلى إعادة تموقع المملكة ضمن سلاسل الاقتصاد العالمي.
يقف خلف هذا التوجه مشروع تحديثي تقوده المؤسسة الملكية، بزعامة الملك محمد السادس، حيث شكّلت الرؤية الملكية رافعة أساسية لإطلاق أوراش كبرى مستوحاة من تجارب الدول الصناعية المتقدمة، خصوصا في مجالات البنية التحتية، والحكامة، والتنمية البشرية.
وقد حرصت هذه الرؤية على الجمع بين متطلبات التحديث الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهو عنصر حاسم في تجارب بلدان العالم الأول.
ويُعد الاستثمار في البنية التحتية أحد أبرز مداخل المغرب لمواكبة التطور العالمي. فميناء طنجة المتوسط أصبح اليوم منصة لوجستية عالمية، تُقارن بأكبر موانئ أوروبا وآسيا، ويرتبط بشبكة صناعية جذبت كبريات الشركات متعددة الجنسيات.
كما مثّل إطلاق القطار فائق السرعة البراق خطوة رمزية وعملية في آن واحد، تعكس سعي المملكة إلى تبني حلول نقل حديثة، تقلّص الزمن، وترفع الإنتاجية، وتتماهى مع معايير الدول المتقدمة.
وعلى المستوى الاقتصادي، عمل المغرب على الانتقال من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد أكثر تنوعا، مستندا إلى قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، مثل صناعة السيارات والطيران، حيث أصبح منصة صناعية إقليمية مرتبطة بالسوق الأوروبية.
كما شكّلت الدار البيضاء قطبا ماليا قارّيا، يسعى إلى استقطاب الاستثمارات الإفريقية والدولية، في نموذج قريب من المراكز المالية العالمية.
هذا الانفتاح لم يكن عشوائيا، بل جاء مدعوما باتفاقيات تبادل حر، وسياسات جذب استثماري، وتحسين مناخ الأعمال، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد العالمي.
وفي سياق يتزايد فيه الوعي البيئي عالميا، سعى المغرب إلى التموقع كفاعل رئيسي في مجال الطاقات المتجددة. ويبرز هنا مركب نور ورزازات، الذي يُعد من أكبر المشاريع الشمسية في العالم، ويعكس التزام المملكة بالانتقال الطاقوي، وتقليص التبعية للطاقات الأحفورية، وهي اختيارات تنسجم مع السياسات البيئية لبلدان العالم الأول.
ورغم التقدم الملحوظ في البنيات والقطاعات الإنتاجية، يدرك المغرب أن اللحاق الحقيقي بالعالم الأول يمر عبر تطوير الرأسمال البشري. لذلك أُطلقت إصلاحات في مجالات التعليم والتكوين المهني والحماية الاجتماعية، بهدف تقليص الفوارق، ورفع قابلية التشغيل، وربط التكوين بحاجيات السوق، وهي تحديات لا تزال تشكّل اختبارا حقيقيا لوتيرة التحول.
ولا يعني هذا المسار أن المغرب بلغ مصاف الدول المتقدمة، لكنه قطع أشواطا معتبرة في الاتجاه الصحيح. وتكمن خصوصية التجربة المغربية في وضوح الرؤية، واستمرارية الإصلاح، وتراكم المكتسبات، وهي عناصر ميّزت تجارب الدول التي نجحت في الالتحاق بركب العالم الأول.
إن تجربة المغرب في مواكبة التطور العالمي ليست استنساخا أعمى لنماذج الخارج، بل محاولة لبناء نموذج تنموي خاص، يستلهم معايير الدول المتقدمة، ويكيّفها مع السياق الوطني.
وبين ما تحقق وما هو منتظر، يسعى المغرب إلى تحويل هذا المسار إلى تنمية شاملة ومستدامة، تجعل من التقدم الاقتصادي رافعة لتحسين حياة المواطن، وهو المعيار الحقيقي لأي دولة تسعى للانتماء إلى العالم الأول.
إسماعيل الرباني
المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

.jpg)
.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)