حدث وتعليق/ الحوار الفكري مع السجناء السلفيين.. مقاربة ناعمة لتعزيز الأمن وترسيخ الاعتدال

في سياق إقليمي ودولي تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بالتطرف العنيف، تواصل موريتانيا ترسيخ نموذجها الخاص في المعالجة الفكرية لهذه الظاهرة، من خلال اعتماد الحوار الديني كآلية إصلاحية داخل السجون.

وقد أكد رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أن الحوار الذي يقوده العلماء الموريتانيون مع السجناء السلفيين يمثل ركيزة أساسية في تصحيح المفاهيم المغلوطة، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، بما يعزز الاستقرار الفكري والاجتماعي.

هذا التصريح، الذي جاء خلال استقبال لجنة العلماء المكلفة بالحوار مع السجناء السلفيين في القصر الرئاسي بنواكشوط، يعكس قناعة رسمية متجددة بأن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمواجهة التطرف، بل ينبغي أن تُستكمل بمقاربة فكرية عميقة تستهدف الجذور المعرفية والشرعية للظاهرة.

ومنذ سنوات، اعتمدت موريتانيا سياسة الحوار مع السجناء المتهمين بقضايا التطرف، حيث يتولى علماء ودعاة مشهود لهم بالكفاءة والمصداقية خوض نقاشات مباشرة مع هؤلاء السجناء. وتهدف هذه الحوارات إلى تفكيك الخطاب المتشدد، وتصحيح التأويلات الخاطئة للنصوص الدينية، وإعادة بناء الفهم الديني على أسس الاعتدال.

وفي هذا الإطار، قدم رئيس اللجنة، الشيخ محمد المختار ولد أمباله، عرضا حول حصيلة الجولة الأخيرة من الحوار، مشيرا إلى ما تحقق من نتائج إيجابية وتوصيات عملية، وهو ما يدل على أن هذه المقاربة تحولت إلى سياسة عمومية لها أدواتها ومؤشراتها.

وتشير التجارب السابقة في موريتانيا إلى أن عددا من السجناء تراجعوا عن أفكارهم المتشددة بعد خوضهم هذه الحوارات، وهو ما ساهم في تقليص مخاطر العود إلى التطرف بعد الإفراج. كما أن هذه التجربة أسهمت في بناء رصيد من الثقة بين الدولة وبعض الفئات التي كانت عرضة للاستقطاب الفكري.

ولا يقتصر أثر هذه الحوارات على السجناء فحسب، بل يمتد إلى المجتمع ككل، من خلال تعزيز خطاب ديني معتدل، وتحصين الشباب ضد الأفكار المتطرفة، وهو ما ينسجم مع الرؤية العامة للدولة في ترسيخ الأمن الفكري كجزء من الأمن الشامل.

ويحظى هذا المسار بدعم مباشر من أعلى هرم السلطة، وهو ما عبر عنه الرئيس الغزواني بإشادته بجهود العلماء، ودعوته إلى مواصلة هذا النهج. ويشكل هذا الدعم عاملا حاسما في ضمان استمرارية البرنامج وتطويره، سواء من حيث توسيع نطاقه أو تعزيز موارده البشرية والعلمية.

كما أن تثمين أعضاء اللجنة لهذا الدعم يعكس وجود انسجام بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية في مواجهة التحديات الفكرية، وهو انسجام يعد ضروريا لنجاح أي مقاربة إصلاحية في هذا المجال.

وتقدم التجربة الموريتانية نموذجا متوازنا يجمع بين الصرامة الأمنية والانفتاح الفكري، حيث لا يتم التعامل مع التطرف كخطر أمني فقط، بل كإشكال فكري يحتاج إلى معالجة علمية هادئة. وهذا التوازن هو ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها، ويجعلها محل اهتمام في محيط إقليمي يعاني من تداعيات العنف والتشدد.

لقد أصبح الحوار الذي يقوده العلماء الموريتانيون مع السجناء السلفيين جزءا من استراتيجية وطنية متكاملة لمواجهة التطرف. ومع استمرار الدعم الرسمي وتراكم الخبرة، تبدو موريتانيا ماضية في ترسيخ نموذجها القائم على الإقناع والحجة، كبديل فعال عن المقاربات التقليدية التي أثبتت محدودية تأثيرها في كثير من السياقات.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

ثلاثاء, 17/03/2026 - 05:37