الإمارات بين حق الدفاع ومسؤولية الحكمة

في خضم الأزمات الإقليمية الكبرى تتكشف حقيقة المواقف، ويظهر الفرق بين من يسعى إلى الاستقرار ومن يغامر بمصير المنطقة. فبعد أكثر من 1909 هجمات إيرانية استهدفت أراضي دولة الإمارات، خرجت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي لتتهم الإمارات بالاعتداء على إيران، في مفارقة سياسية تعكس ارتباك الرواية الرسمية ومحاولة قلب الحقائق.

إن هذا الخطاب لا يغيّر من واقع الأحداث شيئاً. فالقانون الدولي واضح في هذه المسألة – لكل دولة الحق المشروع في الدفاع عن نفسها عندما تتعرض لاعتداء مباشر على سيادتها وأمن شعبها. وما تعرضت له الإمارات لم يكن حادثاً عابراً، بل سلسلة من الهجمات التي تهدد الأمن الإقليمي وسلامة الملاحة والاستقرار الاقتصادي في منطقة تعد شرياناً حيوياً للعالم.

غير أن ما يميز موقف الإمارات في هذه الأزمة ليس فقط قدرتها على الدفاع، بل طبيعة المقاربة التي تعتمدها. فالدولة التي استطاعت خلال عقود قليلة بناء نموذج تنموي واستقرار سياسي في منطقة مضطربة، تدرك أن الحروب مهما كانت نتائجها العسكرية تظل خسارة استراتيجية للجميع. لذلك فإن الإمارات، رغم تعرضها للهجمات، ما زالت توازن بين الحق المشروع في الرد وبين مسؤولية منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

لقد بذلت أبوظبي، حتى اللحظة الأخيرة، جهوداً دبلوماسية هادئة لتجنب التصعيد. وتشير الوقائع الدبلوماسية إلى أن الإمارات لعبت دوراً مهماً في محاولات الوساطة بين واشنطن وطهران، إدراكاً منها أن أي صدام مباشر بين الطرفين ستكون له تداعيات كارثية على المنطقة والعالم. وهذه الحقيقة تجعل الاتهامات الإيرانية أكثر غرابة، لأنها تتجاهل الدور الذي حاولت الإمارات القيام به لتجنيب الجميع شبح الحرب.

إن سياسة تحميل الضحية مسؤولية العدوان ليست جديدة في تاريخ الأزمات الدولية. فكثيراً ما تلجأ الدول التي تواجه عزلة سياسية إلى إعادة صياغة الرواية أملاً في تخفيف الضغوط الداخلية أو الدولية. لكن المشكلة في هذا النهج أنه لا يغيّر ميزان الحقائق، بل يزيد من تعقيد الأزمة ويعمّق العزلة.

فبدلاً من مراجعة الأسباب التي قادت إلى هذا التصعيد، جاءت تصريحات طهران لتؤكد ما تخشاه المنطقة منذ سنوات – أن هناك خللاً في قراءة المشهد الإقليمي، وميلاً إلى التعامل مع الأزمات بمنطق الصراع الدائم لا بمنطق التسويات الممكنة.

أما الإمارات، فقد اختارت طريقاً مختلفاً. فسياساتها خلال العقود الماضية قامت على معادلة دقيقة تجمع بين القوة والاستقرار. فهي تبني قدراتها الدفاعية لحماية سيادتها، لكنها في الوقت نفسه تستثمر في الدبلوماسية والاقتصاد والتنمية بوصفها أدوات أكثر استدامة لتحقيق الأمن.

ومن هنا فإن موقفها اليوم ليس مجرد رد فعل عسكري أو سياسي، بل امتداد لرؤية استراتيجية ترى أن أمن الخليج لا يمكن أن يقوم على الهيمنة أو المواجهة المستمرة، بل على التوازن والتعاون واحترام سيادة الدول.

إن المنطقة اليوم أمام خيارين واضحين – إما الاستمرار في دوامة الاتهامات والتصعيد، وهو طريق يقود إلى مزيد من العزلة والتوتر، أو العودة إلى لغة العقل التي تفتح باب التهدئة والحوار.

وفي ختام هذا المشهد المضطرب، تبقى رسالة العرب واضحة لا لبس فيها. نحن لا نبحث عن الحرب ولا نرغب في إشعالها، لأن شعوب هذه المنطقة دفعت عبر تاريخها أثماناً باهظة للصراعات. خيارنا الأول سيبقى دائماً هو الاستقرار والحكمة والحلول السياسية التي تحفظ كرامة الدول وأمن الشعوب. غير أن السلام لا يعني الضعف، وضبط النفس لا يعني التخلي عن الحق. فإذا فُرضت المواجهة فرضاً، فلن يكون العرب ممن يولّون الأدبار، بل سيقفون صفاً واحداً دفاعاً عن أوطانهم وسيادتهم وأمن منطقتهم.

وفي هذا السياق يبرز دور القيادة الحكيمة التي تدرك أن حفظ السلام لا يتحقق بالتمني وحده، بل يحتاج إلى بصيرة سياسية تجمع بين الحزم والرؤية البعيدة. وقد قدّم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان نموذجاً لهذا التوازن الدقيق؛ قيادة ترى في القوة وسيلة لحماية الاستقرار لا لإشعال الصراعات، وتؤمن بأن الحكمة هي البوصلة التي توجه القرار في أوقات الشدائد. فمنهجه في إدارة الأزمات يقوم على تثبيت الأمن وصون كرامة الدولة، وفي الوقت ذاته إبقاء أبواب العقل والحوار مفتوحة، حتى تبقى المنطقة أقرب إلى السلام منها إلى الفوضى.

الشيخ المحفوظ بن بيه :الأمين العام لمنتدى أبو ظبي للسلم

أربعاء, 18/03/2026 - 23:58