حدث وتعليق/ العدالة الاجتماعية تنتصر في أزمة جمركة الهواتف

الوئام الوطني : في أعقاب الجدل الذي أثارته الزيادة الأخيرة في نسبة الجمركة على الهواتف المحمولة، تكشف مخرجات الاتفاق المعلن بين إدارة الجمارك واتحاد أسواق الهواتف في موريتانيا عن نموذج لافت في إدارة الأزمات الاقتصادية، يقوم على الحوار والتوازن بين متطلبات التنظيم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

لم تكن أزمة الهواتف تقنية أو إجرائية فحسب، بل سرعان ما تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى حساسية القرار العمومي تجاه الأعباء المعيشية للمواطن. فالهاتف المحمول لم يعد سلعة كمالية، بل أداة يومية مرتبطة بالعمل والخدمات والتواصل، ما جعل أي زيادة غير مدروسة في تكلفته تمس شريحة واسعة من المجتمع.

ومن هذا المنطلق، جاء الاتفاق ليؤكد أن الدولة، بقيادة حكيمة  لفخامة  الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، لا تنظر إلى القرارات الاقتصادية بمعزل عن آثارها الاجتماعية. فالمبدأ الحاكم، كما عكسه مسار الأزمة، هو أن أي إجراء يثقل كاهل المواطنين أو يخلّ بمعادلة العدالة لا يمكن أن يستمر، مهما كانت مبرراته التنظيمية.

ويعكس الاتفاق المعلن انتقالا من منطق الفرض إلى منطق الشراكة، حيث أسفرت المشاورات بين إدارة الجمارك واتحاد أسواق الهواتف عن حلول عملية، أبرزها تبسيط إجراءات الجمركة وتخفيضها، واعتماد البضائع الموجودة في السوق كبضائع مجمركة مسبقا، إضافة إلى تشكيل لجنة فنية مشتركة لمتابعة التنفيذ ومعالجة الإشكالات الطارئة.

هذه الخطوات لا تهدف فقط إلى احتواء الأزمة، بل تسعى إلى تنظيم القطاع على أسس أكثر شفافية، مع تشديد محاربة التهرب الجمركي دون تحميل المواطن كلفة ذلك. فالتأكيد على أن التاجر هو من يتحمل تكاليف الجمركة، وليس المستهلك، يمثل تحولا مهما في فلسفة التطبيق.

ومن الناحية السياسية، برز موقف حزب الإنصاف الحاكم بوصفه امتدادا للخيارات العامة للدولة، حيث انسجم بيانه مع توجهات الرئاسة، مؤكدا أن القرارات لا تُقاس بصرامتها، بل بعدالتها ونتائجها. وفي هذا السياق، بدا واضحا أن الحزب، باعتباره الذراع السياسي للحكومة، اختار دعم مسار التهدئة والحوار بدل التصعيد.

أما الحكومة، بقيادة معالي الوزير الأول المختار اجاي، فقد قدمت نفسها مرة أخرى كحكومة تبحث عن التوازن بين التنظيم والكفاءة والإنصاف، وتضع كرامة المواطن ومصالحه في صدارة الاعتبار، دون التفريط في هيبة الدولة أو مقتضيات الإصلاح.

ولا يمكن للمراقب للظروف التي أدت لتوقيع الاتفاق إلا أن يتوقف عند الدور المحوري الذي لعبه الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، الذي تولى رعاية التفاهم وكان جسرا لتقريب وجهات النظر. وقد تجسدت هذه الرعاية بشكل خاص في جهود رئيسه السيد محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد، الذي حضر كراع وضامن  ومساند، بما يعكس إدراكا متقدما لمسؤولية الفاعل الاقتصادي في حماية الاستقرار الاجتماعي.

إن أهمية هذا الاتفاق تتجاوز قطاع الهواتف، إذ يقدم رسالة واضحة مفادها أن الدولة الموريتانية ماضية في تكريس نموذج حكم يقوم على الاستماع والتصحيح، وأن أي قرار لا يخدم الناس أو يفتقد للعدالة لن يجد طريقه إلى التطبيق. وهو ما يرسخ الفارق بين إدارة تفرض القرارات، وأخرى تنصف المواطنين وتراجع خياراتها متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.

لقد شكلت نهاية أزمة الهواتف مثالا عمليا على إمكانية التوفيق بين متطلبات التنظيم الاقتصادي وحماية المستهلك، عندما تتوفر الإرادة السياسية، ويُفتح باب الحوار، وتُستحضر العدالة كمعيار أعلى في صناعة القرار.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

أحد, 22/03/2026 - 02:00