
أثار توقيف النائبتين مريم الشيخ وقامو عاشور، ووضعهما رهن الحبس على ذمة التحقيق، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، خاصة في ظل ما رافق القضية من تأويلات حول الحصانة البرلمانية وحدودها، وحول مدى مشروعية الإجراءات المتخذة من طرف النيابة العامة.
غير أن المقاربة القانونية البحتة تضع هذه القضية في إطار مختلف تماما عمّا يروّج له البعض. فالموقوفَتان تم ضبطهما، بحسب المعطيات المتداولة، في حالة تلبس بسبّ وشتم فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، ويحرّض على تعكير جو الأمن والاستقرار، وذلك خلال بثين مباشرين عبر صفحتيهما في موقع فيسبوك، وهو ما يُعدّ، من الناحية القانونية، حالة قائمة بذاتها لا تستوجب سلوك مسطرة رفع الحصانة.
فالتلبس، وفقا للقانون، يُسقط الامتيازات الإجرائية المرتبطة بالصفة النيابية، لأن الفعل الجرمي يكون مشهودا وموثقا، ولا يحتمل، من حيث الأصل، التأويل أو الإنكار. وهو ما يميّز هذه الحالة عن غيرها من القضايا التي تفتح أمام النيابة والقاضي طيفا واسعا من الخيارات، تتراوح بين حفظ الملف، أو إخضاع المتهم للرقابة القضائية، أو الإفراج المؤقت بكفالة، أو الحبس الاحتياطي، تبعا لتقدير القاضي لقوة الأدلة، وخطورة الأفعال، وسلوك المتهم، واحتمالات الإضرار بالأمن أو السلم العام.
وفي حالة النائبتين مريم الشيخ وقامو عاشور، لا يتعلق الأمر بتصريح عابر أو اجتهاد سياسي قابل للنقاش، بل بسلسلة أفعال موثقة، تشمل، بحسب ما أُعلن، الإساءة العلنية، والتحريض، وبث الشائعات، والترصد، وسبق الإصرار، واستغلال الصفة التمثيلية، إضافة إلى ما اعتُبر مساسا بالوحدة الوطنية وتفتيتا للحمة المجتمع. وهي معطيات جعلت هامش المناورة أمام النيابة العامة ضيقا، ودفعتها إلى التدخل الفوري حماية للنظام العام، وصونا لهيبة الدولة، وتحصينا للمجتمع من خطاب يُنظر إليه بوصفه مهددا للسلم الأهلي.
ومن هذا المنطلق، فإن القول بعدم رفع الحصانة لا يشكّل خرقا للدستور أو تجاوزا للسلطة التشريعية، بقدر ما يعكس تطبيقا دقيقا لمبدأ المساواة أمام القانون. فالحصانة البرلمانية لم تُشرّع يوما لتكون غطاء للإساءة وبث الفُرقة بين أبناء المجتمع، أو ذريعة لانتهاك القوانين، أو وسيلة للاستخفاف بالمجتمع ورموزه، ولا بالدين وثوابته، ولا بالأخلاق العامة التي يقوم عليها التعايش والاستقرار.
إن جوهر هذه القضية يتجاوز شخص النائبتين ليطرح سؤالا أعمق حول المسؤولية المترتبة على الخطاب العام، خاصة حين يصدر عن منتخبين يفترض فيهم أن يكونوا قدوة في احترام القانون، وحفظ السلم، وصون هيبة المؤسسات. فلا يوجد منصب، مهما علت درجته، يضع صاحبه فوق المساءلة، حين يختار عن وعي خرق القانون أو تحدي قيم المجتمع.
وبين حرية التعبير وحدودها، وبين النقد المشروع والتجريح المجرَّم، ترسم هذه القضية خطا فاصلا، قد يشكّل سابقة تُعيد ضبط العلاقة بين السياسة والقانون، وتؤكد أن الدولة، في نهاية المطاف، لا تُدار بالصوت العالي، بل بسيادة القانون واحترام ثوابته.
*- المختار ولد خيَّه
المستشار السياسي لرئيس حزب الإنصاف


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)