بين الواقع الجغرافي والسيادة السياسية: قراءة في ملف الحدود الموريتانية–المالية

 

شكّل موضوع الحدود بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية وجمهورية مالي، وخاصة في منطقة مركز كوكي المالي والواقعة في جيب داخل الأراضي الموريتانية، شكل هذا الموضوع أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، نظراً لتداخل الأبعاد التاريخية والاجتماعية والجغرافية التي تحكمه. فهذا الحيز الحدودي لم يكن في يوم من الأيام مجرد خطوط مرسومة على الخرائط، بل ظل فضاءً معيشياً مشتركاً لسكان تجمعهم روابط القربى والتاريخ والمصالح.
لقد ترسّخ في ذاكرة أجيال من سكان المنطقة، أن هذا الجيب لا تمارس فيه دولة مالي سيادة فعلية إلا في نطاق ضيق ومحدود، يتمثل أساساً في مركز "گوكي" وبعض القرى الواقعة على امتداد الطريق الرابط بينه ومدينة نيور. أما بقية المناطق، فقد ظلت –بحكم الواقع– مجالاً للاستقرار الموريتاني، حيث سمحت الدولة لمواطنيها منذ عقود بالتقري فيها، بل وعملت على توفير خدمات عمومية أساسية من تعليم وصحة ومياه، بما يعكس حضوراً سيادياً فعلياً لا لبس فيه.
ولم يكن هذا الواقع وليد الصدفة، بل تعززه شواهد تاريخية وميدانية متعددة، من بينها ما ظل يُتداول من مواقف ضمنية للجانب المالي، تفيد بتغاضيه عن هذا التواجد الموريتاني، بل واعترافه به في بعض المحطات، الأمر الذي أسّس لقناعة راسخة لدى الساكنة بأن الأرض موريتانية واقعاً وإحساساً، وإن كانت الخرائط السياسية تُظهرها ضمن الحيز الترابي المالي.
وفي خضم ما شهدته هذه المنطقة هذه الأيام من تحركات لدوريات من الجيش المالي داخل هذا الجيب تصاعد تفاعل الرأي العام مع هذه القضية، التي تحولت إلى مادة دسمة للمواقع الإخبارية وصفحات التواصل الاجتماعي، حيث تعددت القراءات وتباينت المواقف بين من يدفع نحو التصعيد ويدعو إلى المواجهة، وبين من يخوض في تفاصيل تاريخية وقانونية دون الإلمام الكافي بحقائقها. وقد أسهم هذا التناول غير المتوازن وغير المؤسس في بعضه، في كثير من الأحيان، في تضليل الرأي العام وإرباك المشهد، بدل الإسهام في تهدئته وتنوير المواطنين بحقائق الأمور.
غير أن إدارة مثل هذه القضايا لا يمكن أن تُبنى على الانطباعات أو الوقائع المحلية وحدها، بل تخضع لمقتضيات القانون الدولي، والاتفاقيات الثنائية، وحسابات الدولة بمفهومها الشامل. ومن هذا المنطلق، يكتسي الموقف الرسمي للدولة الموريتانية أهمية قصوى، باعتباره الإطار الناظم للتعاطي مع هذا الملف بما يضمن حماية السيادة الوطنية وصون مصالح المواطنين.
إن البيان الصادر عن الجيش الوطني، وما رافقه من توجيهات صادرة عن السلطات العليا، يعكس حرص الدولة على معالجة هذا الإشكال في إطار من الحكمة والمسؤولية، بعيداً عن الانجرار إلى أي تصعيد غير محسوب. فخيار المواجهة العسكرية، كما هو معلوم، ليس هدفاً في حد ذاته، بل يظل آخر الحلول التي لا يُلجأ إليها إلا عند استنفاد كافة الوسائل السلمية والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، فإن الثقة في قيادة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تظل ركيزة أساسية، لما عُرف عنه من تبنٍّ لنهج التعقل والتهدئة، دون تفريط في الثوابت الوطنية. فصبر الدولة على بعض الاستفزازات لا ينبغي أن يُفسَّر ضعفاً، بل هو تعبير عن نضج سياسي ورغبة صادقة في تجنيب المنطقة أي توتر قد تكون له تداعيات غير محمودة.
كما أن المؤسسة العسكرية الموريتانية، بما تمتلكه من جاهزية وكفاءة، تظل الضامن الأساسي لأمن الوطن وسلامة حدوده، وهو ما يعزز الاطمئنان لدى المواطنين بأن حوزة البلاد الترابية مصونة، وأن أي تهديد لها سيُواجه بما يلزم من حزم ومسؤولية.
ونظرا لهذه التطورات، تبرز أهمية التحلي بروح المواطنة المسؤولة، من خلال دعم الجهود الرسمية، والالتزام بتوجيهات السلطات الإدارية والأمنية، وتجنب الانسياق وراء الشائعات التي من شأنها أن تُربك المشهد وتُضعف الجبهة الداخلية.
ختاماً، يبقى الأمل معقوداً على أن تُفضي المقاربات الحكيمة التي تنتهجها الدولة إلى حل منصف ومتوازن، لا يكون فيه المواطن هو الخاسر، ويضمن في الآن ذاته استقرار المنطقة وتعزيز علاقات حسن الجوار بين البلدين. فهذه القرى، مهما كان وضعها القانوني، ستظل محل عناية واهتمام من الدولة الموريتانية، وفاءً لالتزاماتها تجاه مواطنيها، وصوناً لكرامتهم وحقوقهم.

                                      محمد الأمين سداتي
                                      إطار بوزارة التربية
                                     نواكشوط بتاريخ: 12/04/2026

اثنين, 13/04/2026 - 11:16