رأي حر… لقاء الرئيس بقادة المعارضة يُعلي منطق الدولة على منطق الاصطفاف/ المختار ولد خيّه

اكتسب اللقاء المطوّل الذي جمع رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني ببعض قادة المعارضة دلالة عميقة وغير مسبوقة. فقد عكست الساعات التي امتد فيها النقاش تحوّلا لافتا في منسوب الثقة، وفي طبيعة العلاقة بين رأس السلطة التنفيذية وخصومه السياسيين، حيث بدا الحوار أقرب إلى مساءلة هادئة داخل منطق الدولة منه إلى سجال بين معسكرين متقابلين.

ما يلفت في هذا اللقاء، من زاوية تحليلية، ليس فقط مضمونه، بل الإطار الذهني الذي حكمه. فالرئيس لم يتعامل مع المعارضة بوصفها طرفا يطالب بتنازلات، بل باعتبارها شريكا محتملا في صناعة التوافق. فتأكيده الاستعداد لتنفيذ مخرجات الحوار فور التوصل إلى اتفاق، مقابل رفضه تطبيق أي نتائج لا تحظى بإجماع، يحمل رسالة مزدوجة، تحمل من جهة، التزاما سياسيا واضحا بالحوار كآلية إصلاح، وتتضمن من جهة أخرى تحميلا مباشرا للأطراف السياسية لمسؤولية نجاحه أو تعثره.

هذا الموقف يضع الحوار في موقعه الطبيعي كمسار تشاركي، لا كأداة بيد السلطة أو ورقة ضغط بيد المعارضة.

وفي النقطة الخلافية المتعلقة بـ«المأموريات»، بدا الرئيس حريصا على تثبيت قواعد اللعبة السياسية بدل التدخل لتغيير موازينها. إذ يعكس امتناعه عن فرض حل أو ممارسة ضغط على أي طرف، قراءة واعية لحدود الدور الرئاسي في مسار يفترض أن يكون نتاج تفاهمات سياسية ناضجة. فالرسالة الضمنية هنا أن الإشكال، مهما بدا حادا، ليس بنيويا بقدر ما هو اختبار لقدرة الفاعلين على تجاوز حساباتهم الظرفية. وبهذا المعنى، يتحول الخلاف من عائق تقني إلى مؤشر على مستوى النضج السياسي، لا على انسداد الأفق.

وبدوره، شكّل البعد الاقتصادي في اللقاء لحظة كاشفة. فاختيار الرئيس الخوض في تفاصيل الإجراءات المتخذة لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، والتصديق على أرقام الحكومة، لم يكن مجرد دفاع عن سياسات قائمة، بل تأكيد على أن القرار العمومي يجب أن يُشرح ويُناقش، لا أن يُمرَّر كأمر واقع. ويعكس تقديم الأرقام والمؤشرات، وربطها بالاضطرابات الإقليمية والدولية، فهما للسياق العام الذي تتحرك فيه الدولة، ومحاولة لإقناع الفاعلين السياسيين بأن الاستقرار الاقتصادي النسبي ليس معطى ثابتا، بل نتيجة خيارات وتوازنات دقيقة.

أما إصرار الرئيس على إدراج اللقاء ضمن نهج تشاوري منتظم، فيحمل دلالة مؤسساتية عميقة. فالتشاور هنا لا يُقدَّم كاستثناء تفرضه الأزمة، بل كسياسة دائمة تهدف إلى إشراك المعارضة في الاطلاع على المعطيات الوطنية والإقليمية والدولية، وتمكينها من ممارسة دورها الرقابي على أساس معلومات دقيقة. هذا التصور، إذا ما ترسّخ، يمكن أن يسهم في نقل المعارضة من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، ومن منطق التشكيك إلى منطق النقاش المبني على المعطيات.

اقد أضفى الحديث عن الوضع في مالي والتطورات الدولية على اللقاء بعدا استراتيجيا، إذ وضع النقاش الداخلي في سياق إقليمي ودولي مضطرب، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والإنسانية. وتكشف الإشارة إلى أن استقرار الجوار مصلحة مشتركة، وأن حالة عدم اليقين العالمية تنعكس مباشرة على الدول النامية، عن مقاربة شمولية ترى السياسة الداخلية امتدادا لتوازنات أوسع، لا جزيرة معزولة عنها.

وفي ختام النقاش، حين فُتح الباب أمام مداخلات المعارضة حول ملفات حساسة كالمحروقات والعقود المرتبطة بها، ثم جرى تقديم شروح تقنية مفصلة، تكرّس مشهد نادر في الحياة السياسية من خلال أسئلة مباشرة، وأجوبة مباشرة، دون وسائط أو خطوط حمراء. هذا الأسلوب، في حد ذاته، يحمل قيمة تحليلية كبيرة، لأنه يشي بإرادة تحويل الخلاف من مجال الاتهام السياسي إلى مجال النقاش المؤسس على الوقائع.

إن أهمية هذا اللقاء تكمن في كونه قدّم نموذجا لما يمكن أن يكون عليه الحوار حين يُدار بعقل الدولة لا بعقل الاصطفاف.

لقد بدا الرئيس واثقا من خياراته، متمكنا من ملفاته، وفي الوقت ذاته واعيا بأن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع بقرارات أحادية، بل بتوافقات تُبنى بصبر، وتُختبر في نقاشات صريحة تمتد، عند الضرورة، حتى منتصف الليل.

 

*- المختار ولد خيّه

المستشار السياسي لرئيس حزب الإنصاف

 

ثلاثاء, 09/06/2026 - 18:29