
يشكّل إعلان وزير المعادن والصناعة ادي ولد الزين عن توجه الحكومة لإنشاء مصفاة وطنية للذهب والمعادن الثمينة محطة مفصلية في مسار إدارة الثروة المعدنية من حيث ما يحمله من دلالات اقتصادية وسيادية وتنظيمية عميقة، تعكس تحوّل الدولة من منطق المعالجة الجزئية إلى منطق التحكم في السلسلة الكاملة للقيمة.
فالمعطى الأبرز في حديث الوزير يتمثل في الإقرار الصريح بأن ما بين 10% و12% من المعادن الثمينة المصاحبة للذهب تضيع على البلد. هذا الرقم، في حد ذاته، كاف لتفسير الحاجة الملحّة إلى المصفاة، إذ لا يتعلق الأمر بهوامش تقنية بسيطة، بل بخسارة معتبرة من موارد سيادية كان يمكن أن تعزز احتياطات الدولة وتنعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فإن إنشاء مصفاة مفتوحة للجميع، تسمح بالتصفية والبيع بشفافية، يبدو خيارا استراتيجيا يهدف إلى وقف النزيف الخفي للثروة، وتحويل ما كان ضائعا إلى قيمة مضافة.
لكن البعد الاقتصادي ليس الوحيد في الصورة. فالوزير يربط المشروع أيضا بوضع المنقبين التقليديين، الذين ظلوا لسنوات الحلقة الأضعف في معادلة الذهب، يغامرون بحياتهم ويعبرون الحدود لبيع منتوجهم في ظروف غير آمنة.
وتمثل إتاحة آلية وطنية منظمة لبيع الذهب داخل البلد، في هذا السياق، انتقالا من اقتصاد الهشاشة إلى اقتصاد الحماية، حيث يصبح المنقب جزءا من دورة رسمية تحميه وتضمن له سعرا عادلا، وتجنّب الدولة في الوقت ذاته مخاطر التهريب وفقدان الرقابة.
ويكتسب هذا التوجه بعدا تنظيميا صارما من خلال التأكيد على ترسيم المناطق المرخصة، وربط أي نشاط خارجها بإجراءات رادعة تصل إلى مصادرة المعدات والحرمان من التنقيب.
هنا تتضح فلسفة الدولة المتمثلة في فتح الأبواب أمام النشاط الحر والمنظم من جهة، وتشديد القبضة على الفوضى والتجاوز من جهة أخرى. فالشبابيك المقترحة لبيع وشراء الذهب ليست مجرد نوافذ إدارية، بل أدوات لإعادة إدماج نشاط ظل لفترة طويلة في المنطقة الرمادية، وتحويله إلى نشاط شفاف يخضع للتصريح والتتبع والتصدير عبر القنوات الرسمية.
إن إنشاء مصفاة وطنية، مقرونا بتنظيم الاستخراج التقليدي، يعكس وعيا متزايدا بأن الثروة المعدنية لا تُقاس فقط بما يُستخرج من باطن الأرض، بل بكيفية إدارته وحمايته وتثمينه. فالسيادة الاقتصادية لا تكتمل إلا عندما تتحكم الدولة في مسار مواردها من المنجم إلى السوق، وتوازن بين تشجيع المبادرة الفردية وحماية المصلحة العامة.
وعليه، فإن هذا المشروع يمكن أن يشكّل نقطة تحول حقيقية في قطاع الذهب، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها المعدن الأصفر رافعة للتنمية لا مصدرا للهدر والمخاطر، وعنوانا لاقتصاد منظم لا ساحة مفتوحة للفوضى والتهريب.
وكالة الوئام الوطني للأنباء



.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)