ثلاثة أعوام قد تغير معادلة السياسة ../ ذ. السالك ولد اباه

الوئام الوطني : لم يتبقَّ من المأمورية الثانية سوى ثلاثة أعوام، لكنها قد تكون الأعوام الأكثر حسماً في تاريخ البلاد الحديث. فالمشاريع المطروحة لا تتعلق بإصلاحات جزئية أو إنجازات إدارية محدودة، بل برهان عملي على قدرة الدولة على الانتقال من واقع التحديات المزمنة إلى أفق نهضة عمرانية واقتصادية شاملة.
1- عاصمة جديدة بمعايير مختلفة
إن الحديث يدور عن عاصمة حديثة ترتفع فيها الأبراج الشاهقة، وتتسع فيها الحدائق الغنّاء والساحات الخضراء، وتشقها الطرق السريعة ووسائل النقل العصرية، وتتحول شوارعها إلى واجهات للنظافة والجمال والحركة الاقتصادية والسياحية. وإذا تحقق جانب معتبر من هذه الطموحات في بلد صحراوي محدود الموارد، لا يملك خزائن نفطية ضخمة ولا إمكانات استثنائية، فإن ذلك سيُعد إنجازاً استثنائياً بكل المقاييس، وقفزة تنموية تتجاوز حدود المألوف.
2- التنمية الحقيقية ليست إسمنتاً وحديداً فقط
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تشييد المباني ولا في اتساع الطرق وحدها، بل في قدرة هذه المشاريع على خلق اقتصاد أكثر حيوية، وتوفير فرص العمل للشباب، وتحسين مستوى الخدمات الأساسية، ورفع القدرة الشرائية للمواطن، وإشعاره بأن التنمية لم تعد مجرد وعود أو شعارات، بل واقعاً يلمسه في حياته اليومية. فالأمم لا تقيس نجاحاتها بارتفاع الأبراج فحسب، وإنما بما يرتفع معها من مستوى المعيشة والأمل والثقة بالمستقبل.
3- صعوبة التحدي تضاعف قيمة الإنجاز
وتزداد أهمية هذا الرهان حين نتذكر أن الحديث لا يدور عن دولة غنية بالموارد الطبيعية أو مدعومة بعائدات نفطية هائلة، بل عن بلد صحراوي يواجه تحديات المناخ وشح المياه وضيق الموارد وتعقيدات البيئة الاقتصادية العالمية. لذلك فإن أي تحول نوعي يتحقق في مثل هذه الظروف ستكون له دلالة خاصة، لأنه يمثل انتصاراً للإرادة والتخطيط وحسن استثمار الإمكانات المتاحة.
4- الإنجاز يعيد تشكيل النقاش السياسي
وعندئذٍ لن يكون مستغرباً أن تتجدد الأسئلة السياسية الكبرى حول مستقبل التجربة واستمراريتها، وأن ترتفع أصوات ترى أن استكمال مشروع بهذا الحجم أولى من التوقف عند صيغ قانونية قابلة للمراجعة والتطوير. فالدساتير، في نظر أصحاب هذا الاتجاه، ليست كيانات جامدة منفصلة عن حركة المجتمع، وإنما أدوات لتنظيم الحياة العامة تستمد مشروعيتها من قدرتها على خدمة مصالح الناس والاستجابة لتحولات الواقع.
5- الكلمة الأخيرة للشعب
وفي نهاية المطاف، تبقى الكلمة الفصل للشعوب، فهي وحدها صاحبة الحق في تقييم التجارب السياسية والحكم على نتائجها. فإذا نجحت السياسات العامة في تحويل الأحلام إلى واقع، وغيّرت وجه المدن، ووسّعت فرص العمل، ورفعت مستوى العيش الكريم، فإنها ستكسب رصيدها من الواقع قبل أن تكسبه من الخطاب. فالتاريخ لا يخلد الوعود، بل يخلد الإنجازات التي تترك أثرها في حياة الناس، وتبقى شاهداً على مرحلة استطاعت أن تنقل الوطن من حدود الممكن إلى آفاق كانت تبدو، بالأمس القريب، أقرب إلى الحلم منها إلى الحقيقة.

الأستاذ : السالك ولد اباه

خميس, 11/06/2026 - 21:49