ذ/ السالك ولد اباه يكتب : لغز الحوار الوطني وإشكالية المصالحة الشاملة

الوئام الوطني :

مقدمة :

يأتي الحوار الوطني في سياق مؤسسي يهدف إلى إدارة الخلاف السياسي وتجاوز تراكمات الماضي ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، باعتباره آلية سياسية وقانونية لإنتاج تفاهمات قابلة للتنفيذ، لا مجرد فضاء لتبادل المواقف.
وفي هذا السياق، فإن أي تصور لمخرجات الحوار يفترض تحديداً دقيقاً لمفهوم «الإجماع» وحدود إلزاميته، خاصة في ظل تعهد سياسي بجعل ما يتم التوافق عليه أساساً للمصادقة والتنفيذ.
وقد تميز إطلاق هذا المسار في ظل القيادة السياسية القائمة بطابع مؤسسي يقوم على فتح المجال للنقاش العام وإشراك مختلف الفاعلين، مع إدارة بعض القضايا الخلافية ضمن مقاربة تهدف إلى ضبط التوترات وتوجيه الحوار نحو المسائل الأكثر قابلية للتقارب، بما يضمن استمرار المسار في إطار الدولة ومؤسساتها. كما أن التدخل الذي أفضى إلى تجاوز الجدل حول طرح ملف المأموريات الرئاسية للنقاش أظهر قدراً من الحكمة السياسية في حماية المسار الحواري من التعثر المبكر، وهو ما يفتح الباب أمام الأمل في أن تسهم التجربة والخبرة المتراكمة في تقريب وجهات النظر حول القضايا الأخرى الأكثر تعقيداً وحساسية.
غير أن الإشكال الجوهري يظل قائماً حول مفهوم «الإجماع» في بيئة سياسية متعددة المرجعيات، وهو ما يجعله نقطة اختبار حقيقية لمدى واقعية المخرجات المنتظرة.
النص
1
انطلق مسار الجلسات التمهيدية للحوار الوطني في إطار سياسي مفتوح، تحت إشراف منسق للحوار ذي خلفية يسارية، في سياق تداولت فيه قوى سياسية معطيات تفيد بأن فكرة الحوار تعود إلى مبادرات سياسية متعددة المرجعيات.
2
وقد طُرح ملف المأموريات الرئاسية ضمن القضايا القابلة للنقاش، قبل أن يتم التوافق إجرائياً على استبعاده من جدول النقاش المباشر، في إطار إعادة تركيز الحوار على القضايا الأكثر قابلية للتوافق بين الأطراف.
3
وفي سياق تعزيز مقاربة شاملة للعدالة الوطنية، برزت عريضة موقعة من أكثر من ألف إطار وطني من تخصصات مختلفة، تدعو إلى اعتماد مقاربة كلية للمظالم التاريخية، تأسيساً على أن العدالة الانتقالية لا تقوم على تجزئة الوقائع أو الانتقاء بينها.
4
وفي هذا الإطار، يظل ملف أحداث سنة 1989 من أكثر ملفات الذاكرة الوطنية حساسية وتعقيداً، حيث ترتب عنه تهجير واسع النطاق للجالية الموريتانية في السنغال، وما صاحبه من خسائر إنسانية ومادية طالت شرائح واسعة من الأسر، في سياق توتر إقليمي شديد التعقيد.
وتتداول في هذا السياق شهادات وروايات متعددة تشير إلى وقوع اعتداءات وأعمال عنف طالت أفراداً من الجالية، كما تتداول معطيات غير متطابقة حول طبيعة تدخلات السلطات أو مدى قدرتها على ضبط الوضع خلال تلك المرحلة، دون أن ترقى هذه المعطيات إلى مستوى التوثيق القضائي أو الدولي الحاسم.
كما تُطرح كذلك روايات متباينة حول أضرار مالية ومصادرات طالت ممتلكات وودائع بنكية، تظل محل خلاف في حجمها وتفاصيلها الدقيقة، في ظل غياب جرد رسمي مستقل ونهائي للمرحلة.
5
كما ارتبطت تلك المرحلة، وفق ما تذكره تقارير إعلامية ودولية، بوجود تحركات مسلحة عبر الحدود انطلقت من الأراضي السنغالية، ونُسبت إلى مجموعات سياسية مسلحة من بينها «أفلام»، في سياق إقليمي اتسم بتداخل الاعتبارات السياسية والأمنية.
6
وإلى جانب ذلك، تحتفظ الذاكرة الوطنية بسجل من التوترات السياسية الداخلية التي مست مختلف التيارات الفكرية، وما رافقها من إجراءات استثنائية في فترات متعددة، شكلت جزءاً من مسار تشكل الدولة الحديثة وتعقيداتها التاريخية.
7
وعليه، فإن الإشكال الجوهري لا يكمن في استحضار الوقائع التاريخية بحد ذاتها، وإنما في المنهجية المعتمدة لإدراجها ضمن مسار الحوار، بما يمنع تجزئة الحقيقة الوطنية ويضمن مقاربة كلية متوازنة للذاكرة، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي عدالة انتقالية ذات مصداقية.
وفي هذا السياق، فإن ملفات الذاكرة الوطنية، بما في ذلك ما يُعرف بملف الإرث الإنساني، لا يمكن اختزالها في حدث واحد بعينه، أياً كان طابعه أو حساسيته، لأن لكل ملف ظروفه التاريخية وسياقه الخاص وشخوصه ووقائعه، الأمر الذي يقتضي معالجتها بصورة مستقلة ومنضبطة ضمن إطار قانوني يراعي خصوصية كل حالة، دون خلط أو دمج يخل بدقة المعالجة أو بطبيعة الوقائع.
8
ويبقى السؤال الأعمق من كل ما سبق: هل يمكن بناء مصالحة وطنية حقيقية عبر مقاربة انتقائية للذاكرة الجماعية؟ فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، لا تقوم على المفاضلة بين الضحايا ولا على ترتيب المظالم وفق موازين القوة السياسية أو الإعلامية، وإنما على الاعتراف بأن الخطأ يظل خطأ مهما كان مرتكبه أو ضحيته، وأن اختلاف الوقائع لا يلغي وحدة المبدأ الحاكم لها.
ومن ثم فإن المصالحة الوطنية لا تُبنى على نسيان بعض الجراح واستحضار بعضها الآخر، ولا على تحويل بعض الملفات إلى قضايا وطنية كبرى وإبقاء غيرها في دائرة الصمت، بل على إخضاع جميع الوقائع لمعيار واحد من الحقيقة والإنصاف والمسؤولية. فلكل ملف ظروفه التاريخية الخاصة، ولكل واقعة سياقها وأطرافها وتكييفها القانوني، غير أن الجامع بينها جميعاً هو حق الضحايا في الاعتراف، وحق المجتمع في معرفة الحقيقة، وحق الدولة في طي صفحات الماضي على أسس عادلة لا على أساس موازين القوى أو ضغط السرديات المتنافسة.
إن التجارب الإنسانية تعلمنا أن المصالحة التي تُبنى على التجزئة قد تنتج هدنة سياسية، لكنها نادراً ما تنتج سلاماً اجتماعياً دائماً. أما المصالحة المؤسسة على شمول النظر وتجريد القاعدة القانونية من الانتماءات والهويات، فهي وحدها القادرة على تحويل الذاكرة من مصدر للانقسام إلى رصيد وطني مشترك.
خاتمة
إن الحوار الوطني، في بعده المؤسسي، لا يُقاس بمجرد فتح النقاش، بل بقدرته على إنتاج مخرجات قابلة للتطبيق ضمن إطار الدولة، دون أن يُبنى على افتراض إجماع مطلق قد يتعذر تحقيقه في بيئة سياسية متعددة المرجعيات.
ومن ثم، فإن الإشكال الحقيقي يتمثل في إعادة تعريف مفهوم «الإجماع» ذاته، بين كونه تطابقاً كاملاً بين الفاعلين، أو توافقاً واسعاً كافياً لإنتاج قرارات سياسية ملزمة. فإذا كان الإجماع متعذراً بحكم اختلاف المرجعيات والذاكرات والمصالح، فإن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: كيف يمكن تحويل الحوار من ساحة لتبادل المواقف إلى أداة لبناء توافق وطني قابل للحياة؟
ولعل هذا هو لغز الحوار الحقيقي؛ فنجاحه لا يتوقف على عدد المشاركين فيه، ولا على حجم الملفات المطروحة على طاولته، وإنما على قدرته في إيجاد نقطة التقاء بين الذاكرة والعدالة، وبين الحقيقة والمصالحة، وبين تعدد الروايات ووحدة الدولة.

الأستاذ : السالك ولد اباه 

سبت, 20/06/2026 - 23:55