
تندرج الدعوة التي وجهها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى الموظفين السامين ومسؤولي الدولة لقضاء العطلة الخريفية داخل الوطن ضمن رؤية تنموية متكاملة تتجاوز بعدها الظرفي المرتبط بموسم الإجازات، لتلامس أبعاداً اقتصادية واجتماعية وثقافية ذات أهمية استراتيجية. فهذه المبادرة لا تقتصر على تشجيع وجهة سياحية بعينها، بل تعكس توجهاً سياسياً يرمي إلى ترسيخ مفهوم المواطنة الاقتصادية وتعزيز مساهمة الأفراد في دعم الدورة الاقتصادية الوطنية من خلال أنماط الاستهلاك والإنفاق.
وتؤكد الأدبيات الاقتصادية الحديثة أن الإنفاق المحلي يمثل أحد المحركات الأساسية للنمو، لما يترتب عليه من آثار مضاعفة تنعكس على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية. وفي هذا السياق، فإن توجيه جزء معتبر من الإنفاق الذي كان سيتجه نحو الخارج إلى الأسواق الوطنية يساهم في تعزيز النشاط الاقتصادي الداخلي، ويدعم المؤسسات السياحية والخدمية والتجارية، ويوفر فرصاً إضافية للتشغيل وتحريك الاستثمارات المحلية. ومن ثم، فإن اختيار قضاء العطلة داخل الوطن لا يُنظر إليه باعتباره قراراً شخصياً فحسب، بل باعتباره ممارسة اقتصادية ذات أثر جماعي تسهم في تعزيز التنمية الوطنية.
كما تحمل هذه الدعوة بعداً استراتيجياً يتعلق بإبراز المقومات السياحية والثقافية التي تتمتع بها موريتانيا. فعلى الرغم من الامتداد الجغرافي الواسع والتنوع البيئي والثقافي الذي تزخر به البلاد، لا تزال العديد من هذه المؤهلات بحاجة إلى مزيد من الاكتشاف والتثمين من قبل المواطنين أنفسهم. وتوفر العطلة الخريفية، بما تتميز به من تحسن في الظروف المناخية واكتساء مساحات واسعة من البلاد بالغطاء النباتي، فرصة مناسبة للتعرف على التنوع الطبيعي والتراثي الذي تمتلكه موريتانيا، بدءاً من السواحل الأطلسية، مروراً بالمناطق الرعوية والواحات التاريخية، وصولاً إلى المدن والمواقع المصنفة ضمن التراث الثقافي والحضاري الوطني.
ومن منظور اجتماعي وثقافي، تساهم السياحة الداخلية في تعزيز الروابط بين المواطن ومجاله الوطني، وتدعيم الشعور بالانتماء والهوية المشتركة. فكلما ازدادت معرفة الأفراد بخصائص وطنهم وتنوعه البشري والجغرافي والثقافي، تعمقت لديهم قيم المواطنة والتضامن الوطني. ولذلك، فإن تشجيع التنقل داخل الوطن لا يقتصر على أبعاده الاقتصادية، بل يشكل أيضاً وسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ الوعي الجماعي بأهمية المحافظة على الموارد الوطنية وتثمينها.
وعلى المستوى الرمزي، تعكس هذه الدعوة ثقة القيادة الوطنية في الإمكانات التي تزخر بها البلاد وقدرتها على توفير فضاءات مناسبة للراحة والاستجمام والاستثمار السياحي. كما تؤكد أن التنمية ليست مسؤولية المؤسسات العمومية وحدها، وإنما هي مشروع مجتمعي تشاركي تتكامل فيه أدوار الدولة والمواطنين والقطاع الخاص. فالخيارات الفردية، مهما بدت بسيطة، يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية عندما تتجه نحو دعم الإنتاج والاستهلاك الوطنيين.
وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى الاستجابة لهذه الدعوة بوصفها تجسيداً عملياً لمفهوم المسؤولية الوطنية، وإسهاماً مباشراً في دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز الثقة في القدرات الوطنية. فالعطلة الخريفية داخل الوطن لا تمثل مجرد فترة للراحة والاستجمام، بل تتحول إلى فرصة للمشاركة في التنمية، واكتشاف مقدرات البلاد، وتجديد الصلة بالوطن ومكوناته المختلفة.
وعليه، فإن دعوة فخامة رئيس الجمهورية إلى قضاء العطلة داخل الوطن تكتسب بعداً تنموياً واستراتيجياً يتجاوز الاعتبارات الآنية، لتؤسس لثقافة جديدة قوامها الاستثمار في الداخل، وتثمين الموارد الوطنية، وتعزيز الوعي بأن ازدهار الوطن يبدأ من ثقة أبنائه فيه، ومن قدرتهم على تحويل خياراتهم اليومية إلى أدوات فاعلة في خدمة التنمية المستدامة.
أسويلم ولد محمد ولد أسويلم


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)