
في الدول التي ترسخت فيها المؤسسات، لا يكون التسامح بديلا عن العدالة، ولا تكون العدالة نقيضا للتسامح، بل يتكامل المساران في بناء دولة قوية، تحفظ هيبة القانون، وتفتح في الوقت ذاته أبواب الصفح والمصالحة متى استكملت الإجراءات القضائية مسارها الطبيعي.
ومن هذا المنطلق، يكتسب قرار فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، منح عفو رئاسي لكل من السيدة قامو عاشور سالم والسيدة مريم الشيخ صمب جينغ، بعد صدور الأحكام القضائية بحقهما، دلالات سياسية ووطنية عميقة تتجاوز حدود الإجراء القانوني إلى رسالة دولة تؤمن بأن قوة المؤسسات تقاس بقدرتها على الجمع بين الحزم والرحمة.
لقد جاء هذا القرار بعد أن أخذ القضاء مجراه كاملا، ومارس صلاحياته باستقلالية، فأثبتت الدولة أن التجاوز على رموزها ومؤسساتها لا يمر دون مساءلة، وأن احترام القانون ليس خيارا، بل قاعدة تحكم الجميع دون استثناء. وفي المقابل، أثبتت السلطة التنفيذية، من خلال الصلاحية الدستورية المخولة لرئيس الجمهورية في منح العفو، أن الدولة القوية ليست تلك التي تكتفي بالعقاب، وإنما التي تعرف متى تحول صفحة الخلاف إلى فرصة لتعزيز التماسك الوطني.
وهنا تتجلى فلسفة الحكم التي ينتهجها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والقائمة على تحقيق التوازن بين صرامة تطبيق القانون، والانفتاح على قيم التسامح والوئام. فالعفو لم يأتِ ليعطل العدالة أو ينتقص من هيبة القضاء، وإنما جاء بعد أن استكمل القضاء مهمته، لتظل الرسالة صادحة بألا أحد فوق القانون، لكن القانون نفسه يفسح المجال، عبر الآليات الدستورية، لإعلاء قيم الرحمة والتسامح عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
ويحمل هذا القرار في توقيته دلالة سياسية مهمة، إذ يعكس استمرار نهج التهدئة الذي اختطه رئيس الجمهورية منذ توليه مقاليد الحكم، وهو نهج يقوم على تخفيف الاحتقان، وتوسيع مساحات التوافق، وتعزيز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع، بعيدا عن منطق التصعيد أو الانتقام.
وقد برهنت التجربة خلال السنوات الماضية على أن هذا الخيار أسهم في توفير مناخ سياسي أكثر استقرارا، ومكّن البلاد من توجيه جهودها نحو أولويات التنمية والإصلاح.
كما أن القرار يجسد فهما متقدما لمفهوم هيبة الدولة. فهذه الهيبة لا تقوم على العقوبات وحدها، وإنما على احترام المؤسسات والإيمان بأن الدولة تمتلك من الثقة في نفسها ما يجعلها قادرة على ممارسة العفو من موقع القوة لا من موقع الضعف.
ولذلك، فإن الجمع بين إنفاذ الأحكام القضائية ثم ممارسة حق العفو الرئاسي يعكس نضجا مؤسساتيا، يؤكد استقلال القضاء من جهة، ويبرز الدور الدستوري لرئيس الجمهورية في تعزيز السلم الاجتماعي من جهة أخرى.
ولا شك أن المجتمعات التي تنشد الاستقرار تحتاج إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية بقدر حاجتها إلى ترسيخ ثقافة التسامح. فالرسالة التي يحملها هذا القرار مزدوجة؛ فمن جهة، تؤكد أن المساس برموز الدولة ومؤسساتها له تبعات قانونية واضحة، ومن جهة أخرى، تؤكد أن باب العفو يظل مفتوحا في إطار احترام القانون والمصلحة العامة، بما يعزز قيم المواطنة، ويشجع على تجاوز الخلافات ضمن الأطر الدستورية.
إن هذا القرار ينسجم كذلك مع الرؤية التي جعلت من الوحدة الوطنية والسكينة المجتمعية ركيزتين أساسيتين في المشروع الإصلاحي لرئيس الجمهورية، حيث ظلت الدعوة إلى الحوار، والاعتدال، وتغليب المصلحة الوطنية، حاضرة في مختلف المبادرات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
لقد أوصل العفو الرئاسي الصادر اليوم رسالة سياسية وأخلاقية تؤكد أن موريتانيا ماضية في ترسيخ دولة المؤسسات، التي تحمي القانون أولا، ثم تجعل من التسامح وسيلة لترميم النسيج الوطني وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. وهو نموذج يعكس رؤية تعتبر أن العدالة تحقق هيبة الدولة، بينما يرسخ العفو قيمتها الإنسانية، وأن الجمع بينهما هو السبيل الأمثل لبناء وطن آمن، متماسك، وواثق من قوة مؤسساته وحكمة قائده.
*- إسماعيل ولد الرباني
المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)