
لم يعد الحديث عن الاستثمار في القطاع الصحي مقتصرا على تشييد المستشفيات أو اقتناء المعدات الطبية، بل أصبح جزءا من رؤية تنموية متكاملة تعتبر صحة الإنسان حجر الأساس لكل مشروع اقتصادي أو اجتماعي ناجح.
ومن هذا المنطلق، يكتسب المنتدى الإقليمي للاستثمار في القطاع الصحي، الذي تحتضنه نواكشوط، أهمية خاصة، لأنه يكرس تحولا نوعيا في النظرة إلى الصحة باعتبارها قطاعا إنتاجيا واستراتيجيا، وليس مجرد مجال للخدمات الاجتماعية.
وقد عكست كلمة معالي وزير الصحة، السيد اتيام التجاني، هذا التحول بوضوح، عندما أكد أن الاستثمار في الصحة لم يعد خيارا، بل إنه بات ضرورة استراتيجية لتحقيق الأمن الصحي وتعزيز التنمية المستدامة، وهو طرح ينسجم مع المتغيرات العالمية التي أظهرت، خاصة بعد الأزمات الصحية الدولية، أن الدول التي تمتلك منظومات صحية قوية واقتصادا دوائيا متماسكا تكون أكثر قدرة على حماية مواطنيها وضمان استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
وتأتي استضافة موريتانيا لهذا المنتدى في سياق يعكس المكانة المتنامية التي بدأت تحتلها على خارطة الاستثمار الإقليمي، بفضل الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية التي تشهدها البلاد، فضلا عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين شمال إفريقيا وغربها. وهذه المعطيات تمنحها فرصا حقيقية للتحول إلى مركز إقليمي للصناعات الصحية والدوائية، خاصة في ظل استثمار هذه الفرص وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، تبدو الإصلاحات التي تنفذها الحكومة، بتوجيهات من فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، جزءا من مشروع وطني متكامل يهدف إلى تحديث المنظومة الصحية وتعزيز جاهزيتها. فالتوسع في البنية التحتية الصحية، وتحديث المستشفيات، وتوفير التجهيزات الحديثة، وتوسيع التغطية الصحية، واعتماد التحول الرقمي، ليست إجراءات متفرقة، وإنما حلقات مترابطة لبناء منظومة أكثر كفاءة وعدالة واستجابة لاحتياجات المواطنين.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الرؤية، التركيز على إصلاح المنظومة الدوائية الوطنية، باعتبارها أحد أهم أعمدة الأمن الصحي. فالتوجه نحو تحديث الأطر القانونية، وتشديد الرقابة على جودة الأدوية، وتحسين أنظمة التسجيل والتتبع وسلاسل الإمداد، يعكس إرادة واضحة لضمان وصول المواطن إلى دواء آمن وفعال، ومواجهة مختلف مظاهر الفوضى التي قد تؤثر على جودة المنتجات الدوائية أو سلامة المستهلك.
ولعل أكثر ما يميز الخطاب الحكومي في هذا المجال هو الانتقال من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج. فالدعوة إلى تعزيز الإنتاج الدوائي المشترك، ونقل التكنولوجيا، وبناء سلاسل قيمة إقليمية، تعني أن موريتانيا لم تعد تنظر إلى الصناعات الصحية باعتبارها مجرد نشاط تجاري، وإنما باعتبارها ركيزة للسيادة الاقتصادية والصحية، ووسيلة لتقليل الاعتماد على الواردات، وخلق فرص عمل نوعية، واستقطاب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية.
كما أن توجيه الدعوة للمستثمرين والمؤسسات المالية وشركات الصناعات الصحية والدوائية للاستفادة من الفرص التي توفرها موريتانيا، يعكس الثقة في البيئة الاستثمارية الوطنية وما شهدته من إصلاحات تشريعية وإدارية، ويؤكد أن الدولة تعمل على بناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، تقوم على المصالح المشتركة وتحقيق التنمية المستدامة.
ولا يقتصر أثر الاستثمار الصحي على تحسين الخدمات العلاجية فحسب، بل يمتد ليشمل تنشيط الاقتصاد الوطني، ودعم البحث العلمي، وتشجيع الابتكار، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز الصناعات المرتبطة بالقطاع الصحي، وهو ما يجعل كل استثمار في هذا المجال استثمارا متعدد العوائد، يجمع بين البعد الإنساني والاقتصادي والاجتماعي.
إن الرسائل التي خرج بها المنتدى تؤكد أن موريتانيا تدخل مرحلة جديدة في مسار إصلاح قطاعها الصحي، وهي مرحلة تقوم على استقطاب الاستثمار، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز التصنيع الدوائي، وبناء منظومة صحية أكثر استقلالية وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية، فضلا عن كونها رؤية تنسجم مع طموحات الدولة في تحقيق تنمية شاملة يكون الإنسان محورها الأول وغايتها الكبرى.
لقد بات الاستثمار في الصحة استثمارا في مستقبل الوطن، وفي قدرته على حماية مواطنيه، وتعزيز تنافسيته الاقتصادية، وترسيخ أمنه الصحي، بدل أن يبقى مجرد مجرد بند في الموازنات العامة.
ومن هنا، فإن ما تشهده موريتانيا اليوم من إصلاحات ومبادرات واستقطاب للمنتديات المتخصصة، يمثل خطوة واثقة نحو بناء قطاع صحي حديث، قادر على مواكبة التحولات العالمية، والإسهام بفاعلية في تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ مكانة البلاد كشريك إقليمي واعد في الصناعات والاستثمارات الصحية.
وكالة الوئام الوطني للأنباء

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)