حدث وتعليق/ حكمة الرئيس وارتياح المعارضة.. الإرادة السياسية تذلل العقبات أمام الحوار

ليست الحوارات الوطنية الناجحة تلك التي تنطلق على عجل، وإنما تلك التي تُبنى على أرضية من الثقة، وتسبقها إرادة سياسية صادقة، ويشارك فيها الجميع وهم يشعرون بأن أصواتهم مسموعة، وأن مخرجاتها ستكون ثمرة توافق لا نتيجة غلبة.

ومن هذا المنطلق، يكتسب إعلان قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية تفويض رئيسه الدوري، الدكتور محمد ولد مولود، بالتوقيع على مسودة خارطة الطريق للحوار الوطني بعد إدخال التعديلات المتفق عليها، أهمية سياسية تعكس تقدما ملموسا في بناء التوافقات الضرورية لانطلاق حوار ينتظره الموريتانيون منذ سنوات.

إن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن وليد لحظة، بل هو امتداد لمسار سياسي بدأ مع تولي فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مسؤولية قيادة البلاد قبل سبع سنوات، حين اختار أن يجعل من التهدئة السياسية والانفتاح على جميع الفرقاء عنوانا لعهده، واضعا حدا لسنوات من الاحتقان والاستقطاب الحاد والتنابز بالألقاب، ومؤسسا لثقافة سياسية جديدة تقوم على التواصل والاحترام المتبادل والبحث عن القواسم المشتركة.

لقد شهدت موريتانيا خلال هذه المرحلة تحولا لافتا في طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة. فبدلا من منطق القطيعة، برزت سياسة الأبواب المفتوحة، وبدلا من إدارة الخلاف بمنطق المواجهة، أصبحت الأولوية للحوار والتشاور. وهو تحول بات خيارا استراتيجيا هدفه تحصين الاستقرار الوطني، وتعزيز الثقة بين مختلف مكونات المشهد السياسي.

ومنذ الإعلان عن تنظيم حوار وطني شامل، أكد رئيس الجمهورية أن نجاحه لا يقاس بسرعة انعقاده، وإنما بقدرته على استيعاب الجميع، والوصول إلى توافقات راسخة تعالج القضايا الكبرى بروح المسؤولية الوطنية. ولذلك، لم يكن مستغربا أن تصدر توجيهاته الواضحة بتذليل العقبات التي أدت إلى تأجيل انطلاق الحوار، والعمل على إزالة كل ما يمكن أن يعيق مشاركة مختلف الأطراف في هذا الاستحقاق الوطني.

لقد عكست تلك التوجيهات فهما عميقا لطبيعة الحوارات الوطنية، التي لا تنجح بفرض المواعيد، وإنما بتقريب وجهات النظر، وإتاحة الوقت الكافي لبناء الثقة، وتقديم الضمانات التي تجعل كل طرف يشعر بأنه شريك كامل في صناعة المستقبل. ومن هنا، جاءت المرونة التي طبعت المفاوضات الأخيرة، وما نتج عنها من تعديلات على مسودة خارطة الطريق، لتؤكد أن الجميع بات يدرك أن نجاح الحوار أهم من التسابق إلى إطلاقه.

إن ارتياح قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية لما آلت إليه المفاوضات، واعتباره أن التعديلات الأخيرة تمثل تقدما مهما في المسار التحضيري، يعكس نضجا سياسيا لدى مختلف الأطراف، كما يؤكد أن لغة التفاهم بدأت تتقدم على لغة الشكوك، وأن مساحة الاتفاق تتوسع كلما توفرت الإرادة الصادقة والحرص على المصلحة الوطنية.

واليوم، تبدو موريتانيا أمام فرصة تاريخية لترسيخ نموذج سياسي يقوم على إدارة الاختلاف بالحوار، ويجعل من التوافق أداة للإصلاح، لا مجرد وسيلة لتجاوز الأزمات. فالحوار المرتقب ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتعزيز الديمقراطية، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وتطوير الحكامة، وتوسيع المشاركة السياسية، بما يواكب تطلعات المواطنين إلى مستقبل أكثر استقرارا وعدالة وتنمية.

لقد أثبتت السنوات السبع الماضية أن التهدئة ليست حالة ظرفية، وإنما هي سياسة دولة، وأن الانفتاح على المعارضة، والاستماع إلى مختلف الآراء، واحترام التعددية السياسية، خيارات عززت مناعة البلاد، ورسخت صورتها باعتبارها واحة للاستقرار في محيط إقليمي مضطرب.

ومن هنا، فإن التقدم الذي يشهده المسار التحضيري للحوار الوطني يمثل تتويجا طبيعيا لهذا النهج، ودليلا على أن الاستثمار في الثقة بين مكونات الوطن هو الاستثمار الأكثر ربحا واستدامة.

إن موريتانيا، وهي تقترب من إطلاق حوارها الوطني الشامل، لا تؤسس فقط لتوافقات سياسية جديدة، بل ترسخ أيضا ثقافة وطنية عنوانها أن الاختلاف لا يفسد وحدة الوطن، وأن الحوار هو الطريق الأقصر إلى الإصلاح، وأن الإرادة السياسية الصادقة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والخلافات إلى جسور للتفاهم، خدمة لوطن يتطلع جميع أبنائه إلى مستقبل أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا، وهو ما حققه فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ويسعى للحفاظ عليه في المستقبل المنظور وعلى المدى البعيد.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

ثلاثاء, 14/07/2026 - 16:40