
يمثل نشر التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة للفترة 2024–2025 محطة مهمة في مسار تعزيز الشفافية وتطوير منظومة الرقابة في موريتانيا، ويستحق، قبل أي قراءة أخرى، الإشادة بهذا النهج الذي يضع أمام الرأي العام معطيات تفصيلية حول عمل جهاز رقابي رسمي، وحجم المهام التي أنجزها، ومجالات تدخله، والاختلالات التي رصدها، والإجراءات المتخذة بشأنها، ومستوى تنفيذ التوصيات
وتستحق هذه الخطوة كذلك التهنئة والشكر لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، على دعم مسار الشفافية وتعزيز أجهزة الرقابة، وعلى ترسيخ مبدأ إطلاع الرأي العام على نتائج العمل الرقابي،فالدولة التي تنشر تقرير جهازها الرقابي، بما يتضمنه من ملاحظات ونقائص ومعالجات، تؤكد أن الرقابة ليست شأناً إدارياً مغلقاً، وإنما جزء من منظومة الحكامة التي يحق للمواطن أن يعرف نتائجها
والأهم في هذا التقرير أنه يعكس اتساع رقعة الرقابة وحجم الموارد التي أصبحت خاضعة للتدقيق،فالمفتشية العامة للدولة لم تكن أمام نطاق مالي محدود، وإنما قامت بتدقيق ما مجموعه 32.862 مليار أوقية جديدة، وهذه النقطة أساسية في قراءة بقية أرقام التقرير؛ لأن أي رقم يتعلق بالأثر المالي للاختلالات لا يمكن فهم دلالته دون وضعه في سياق الحجم الإجمالي للأموال التي خضعت للتدقيق
وعند وضع الأرقام في سياقها الكامل، نجد أن الأثر المالي للاختلالات المحددة أو القابلة للتقدير بلغ 2.375 مليار أوقية جديدة، أي حوالي 7.23% من إجمالي المبالغ التي خضعت للتدقيق
وهنا تحديداً ينبغي التوقف أمام واحدة من أبرز المغالطات التي يمكن أن تنتج عن القراءة المجتزأة للتقرير هذا الرقم لا يعني أن 7.23% من الأموال المدققة تم اختلاسها، ولا يعني أن 2.375 مليار أوقية هي أموال منهوبة،التقرير يتحدث عن أثر مالي لاختلالات متنوعة، وليس عن اختلاسات مثبتة
والتمييز بين المصطلحين ليس مجرد تفصيل لغوي، وإنما هو جوهر القراءة الصحيحة للتقرير، فالأثر المالي للاختلالات يمكن أن ينتج عن حالات متعددة تختلف في طبيعتها وفي طريقة معالجتها، ولا يجوز تحويلها كلها إلى خانة واحدة بعنوان «الاختلاس»
وتزداد أهمية هذا التوضيح عندما ننتقل إلى الملفات التي أحيلت إلى القضاء،فقد بلغ الأثر المالي للملفات المحالة إلى القضاء 1.217 مليار أوقية جديدة، أي نحو 51.2% من إجمالي أثر الاختلالات
لكن الإحالة إلى القضاء لا تعني بأي حال من الأحوال ثبوت الاختلاس، ولا تعني صدور حكم قضائي، وإنما تعني أن الملف وصل إلى الجهة القضائية المختصة لتتولى ما يدخل في نطاق اختصاصها
وبعبارة أكثر وضوحاً الإحالة إلى القضاء ليست إدانة، والأثر المالي للملف القضائي ليس بالضرورة مبلغ اختلاس،فالقول بغير ذلك يحول إجراءً من إجراءات المسار القانوني إلى حكم نهائي لم يصدر بعد
وهنا تتضح أهمية الأرقام عندما تُقرأ كاملة لا مجتزأة فمن غير الدقيق سياسياً وإعلامياً أن يتحول رقم 2.375 مليار أوقية، وهو إجمالي الأثر المالي للاختلالات، إلى عنوان يقول إن «2.375 مليار تم نهبها». فالمعطيات نفسها لا تقول ذلك
بل إن الأرقام الخاصة بالمعالجة تكشف صورة أكثر تركيباً، فقد بلغت المبالغ المسترجعة 411.4 مليون أوقية جديدة، أي حوالي 17.3% من إجمالي أثر الاختلالات، فيما بلغت المبالغ قيد الاسترجاع 327.1 مليون أوقية جديدة، أي حوالي 13.8%،وبجمع المبلغين نجد أن حوالي 31% من إجمالي أثر الاختلالات إما تم استرجاعه بالفعل أو يوجد في مسار الاسترجاع
وهذا معطى مهم جداً عند تقييم حصيلة الرقابة؛ لأنه يبين أن الحديث عن معالجة الأثر المالي لا يتوقف عند الأموال التي دخلت الخزينة فعلياً لحظة إعداد التقرير، وإنما يشمل أيضاً الأموال التي توجد في مسار الاسترجاع
وفي المقابل، فإن نحو 27% من الأثر المالي للاختلالات يخضع للتسوية الإدارية، لأن هذه الحالات لا تستوجب بالضرورة استرجاعاً مالياً أو إحالة إلى القضاء، وإنما ترتبط بتقصير تسييري أو نقص في الكفاءة أو تأخر في اتخاذ بعض القرارات، وهي اختلالات يمكن تداركها من خلال الإجراءات الإدارية والتصحيحية المناسبة
وهذه النقطة بالذات تكشف خطأً آخر في اختزال كل أرقام التقرير في مفهوم «الفساد»، فالإدارة العمومية مهما بلغت درجة تطورها، تعرف أخطاء في التسيير، وتأخراً في الإجراءات، ونقائص في الكفاءة، وملاحظات تتعلق بالامتثال للقواعد، وهذه كلها ليست بالضرورة جرائم فساد أو اختلاسات
إن الرقابة الجيدة هي التي تميز بين هذه الحالات ولا تضعها كلها في سلة واحدة، والتقرير نفسه يفعل ذلك من خلال تصنيف الاختلالات ومسارات معالجتها
ومن هنا، فإن قراءة التقرير بطريقة صحيحة تقود إلى نتيجة مختلفة تماماً عن الروايات التي قد تنتج عن اقتطاع بعض الأرقام من سياقها،فنحن أمام 32.862 مليار أوقية جديدة خضعت للتدقيق، نتج عنها 2.375 مليار أوقية كأثر مالي لاختلالات متنوعة، وليس كاختلاسات؛ ومن هذه الاختلالات، هناك ملفات أحيلت إلى القضاء، وهناك مبالغ تم استرجاعها، وأخرى قيد الاسترجاع، وهناك نسبة مهمة تخضع للتسوية الإدارية والتصحيح
وهذا لا يعني بالطبع أن الاختلالات لا تمثل مشكلة أو أن العمل الرقابي قد انتهى، بل على العكس، وجود هذه الأرقام يؤكد أهمية استمرار الرقابة وتطويرها، ورفع مستوى الكفاءة الإدارية، وتسريع معالجة الملاحظات، وتعزيز الوقاية من تكرارها
لكن النقد الجاد يبدأ من احترام الرقم.
فإذا أردنا أن نحاسب الإدارة، فعلينا أولاً أن نعرف ماذا يقول التقرير فعلاً ،وإذا أردنا المطالبة بمزيد من الشفافية، فعلينا ألا نستخدم الشفافية نفسها بصورة انتقائية. وإذا أردنا تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، فإن من مسؤوليتنا جميعاً ألا نحول الأرقام الرقابية إلى روايات سياسية تتجاوز دلالتها الحقيقية
ومن هذه الزاوية، فإن نشر التقرير يمثل مكسباً مؤسسياً مهماً؛ لأنه يسمح لأول مرة بمناقشة هذه القضايا على أساس بيانات واضحة، ويتيح للباحث والصحفي والبرلماني والمواطن أن يقرأ حجم الأموال المدققة، وحجم الأثر المالي، ونوع الاختلالات، ومسارات المعالجة
كما أن اتساع نطاق الرقابة وتطور أدواتها يسمحان بمقارنة النتائج مع الفترات السابقة وقياس مدى التحسن، وهذه المقارنة هي التي ينبغي أن تكون أساس الحكم على تطور منظومة الحكامة، فهل تتراجع نسبة الاختلالات مقارنة بحجم الأموال الخاضعة للرقابة؟ هل تتزايد نسبة الاسترداد؟ هل تتحسن سرعة تنفيذ التوصيات؟ هل تتوسع الرقمنة؟ وهل تنخفض الاختلالات في القطاعات التي سبق أن خضعت للتفتيش؟
والجواب واضح ، نعم تراجعت نسبة الاختلالات وتطورت منظومة التدقيق و تزايدت نسبة الاسترداد وتوسعت رقعة التفتيش
واللافت كذلك أن بعض المطالب التي تُطرح باعتبارها حلولاً مستقبلية أصبحت بالفعل جزءاً من مسار الإصلاح الجاري،فهناك عمل على رقمنة الصفقات العمومية، وتطوير منصة رقمية لمتابعة التوصيات، وإعداد خرائط لمخاطر الفساد، وتصنيف الشركات، وتعزيز الإطار القانوني والمؤسسي
وبالتالي فإن المطلوب ليس البدء من الصفر، وإنما مواصلة مسار بدأ بالفعل، وتسريعه وتطويره ورفع نتائجه
إن التقرير الصادر اليوم في جوهره يقدم صورة لدولة توسع رقابتها، وتكشف نتائجها، وتعمل على معالجة الاختلالات التي ترصدها، وتطور أدواتها الرقمية والمؤسسية. وهذه في حد ذاتها خطوة تستحق التقدير
وإذا كانت الشفافية تفرض الاعتراف بما يحتاج إلى إصلاح، فإنها تفرض كذلك الاعتراف بما تحقق، والموضوعية تقتضي ألا نرى في التقرير فقط ما يمكن استخدامه في النقد، وإنما أن نرى أيضاً حجم الأموال التي خضعت للرقابة، واتساع نطاق التفتيش، ونسب المعالجة والاسترداد، والإصلاحات التي بدأت فعلياً
إن قوة الدولة ليست في أن تقول إن إدارتها بلا اختلالات، وإنما في أن تمتلك أجهزة قادرة على اكتشافها وقياسها ومعالجتها. وقوة الشفافية ليست في نشر الأرقام فقط، وإنما في القدرة على وضعها أمام الرأي العام كما هي، دون تضخيم أو تهوين
ولهذا فإن تقرير المفتشية العامة للدولة يستحق أن يُقرأ باعتباره خطوة في اتجاه مزيد من الرقابة والشفافية، وأن تُبنى عليه إصلاحات جديدة، لا أن تتحول أرقامه إلى روايات تتجاوز ما تقوله الوثيقة نفسها
فالرقم الدقيق يقود إلى نقاش دقيق، والنقاش الدقيق يقود إلى إصلاح أفضل

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)