
يشكل حصول موريتانيا على 42 نقطة من أصل 100 في مؤشر شفافية الميزانية ضمن مسح الموازنة المفتوحة 2025 (OBS)، محطة مهمة في مسار تطوير الإدارة المالية وتعزيز انفتاح الدولة على المواطنين، لاسيما أن هذه النتيجة تحققت في أول مشاركة لموريتانيا في هذا المسح الدولي.
وتكتسب النتيجة أهميتها من موقع موريتانيا في محيطها الإقليمي؛ فقد جاءت في صدارة الدول المشمولة بالمقارنة في منطقة الساحل، متساوية مع السنغال بـ42 نقطة، ومتقدمة على مالي التي حصلت على 38 نقطة، وبوركينا فاسو بـ13 نقطة، والنيجر بـ6 نقاط، وتشاد بـ4 نقاط. كما تجاوزت المتوسط المسجل في إفريقيا جنوب الصحراء، والبالغ 38 نقطة.
ويكتسب هذا التقدم دلالة أكبر بالنظر إلى طبيعة المؤشر نفسه، إذ لا يتعلق بمجرد نشر أرقام مالية، وإنما يقيس مدى إتاحة المعلومات المتعلقة بالموازنة، ومشاركة المواطنين، وفاعلية الرقابة على المالية العامة. وبذلك فإن النتيجة تعكس، في جانب منها، تطورا في مفهوم إدارة المال العام، من مجرد تدبير إداري داخلي إلى مجال يرتبط بحق المواطن في المعرفة والمتابعة والمساءلة.
ومن أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها في التجربة الموريتانية نشر ميزانية المواطن، بما يجعل المعطيات المالية أقرب إلى الجمهور وأقل ارتباطا باللغة التقنية المتخصصة.
وتؤكد وزارة المالية فعليا نشر ميزانية المواطن لسنة 2025، مع إتاحة نسخ بالعربية والفرنسية، إضافة إلى نسخ بلغات وطنية، وهو ما ينسجم مع مبدأ توسيع دائرة المستفيدين من المعلومة المالية وعدم حصرها في المختصين والفاعلين الإداريين.
وهنا تكمن قيمة الخطوة، فالميزانية ليست مجرد وثيقة محاسبية، وإنما هي التعبير المالي عن أولويات الدولة؛ أين تنفق؟ وما القطاعات التي تحظى بالأولوية؟ وكيف توزع الموارد؟ وما حجم الإنفاق الاجتماعي والاستثماري؟ وكلما أصبحت هذه المعلومات مفهومة ومتاحة، أصبح المواطن أكثر قدرة على تقييم السياسات العمومية ومتابعة نتائجها.
كما أن استمرار وزارة المالية في نشر الميزانيات والتقارير المالية والوثائق المتعلقة بالتخطيط والإنفاق يمثل عاملا مهما في ترسيخ هذا المسار. وتظهر بوابة الوزارة حاليا تعددا في الوثائق والتقارير المنشورة، بما فيها تقارير العمليات المالية للدولة ووثائق البرمجة الميزانوية متوسطة المدى وتقارير إصلاح المالية العامة.
ومن المهم أيضاً قراءة هذه النتيجة في سياقها الصحيح، حيث دخلت موريتانيا هذا التقييم لأول مرة، ومع ذلك تمكنت من تسجيل 42 نقطة، وهذا يعني أن البلاد لم تبدأ من الصفر في مجال الشفافية المالية، بل دخلت المسح وهي تمتلك جملة من الممارسات والآليات التي أمكن رصدها وتقييمها دوليا. والأهم أن النتيجة تضع موريتانيا أمام فرصة حقيقية لتحويل المشاركة الأولى إلى مسار تصاعدي في الدورات المقبلة.
ولا ينبغي أن يكون الهدف الاكتفاء بالمركز الإقليمي، وإنما استثمار هذه النتيجة باعتبارها خط أساسيمكن البناء عليه لرفع مستوى الشفافية وتحسين جودة المعلومات وتعزيز المشاركة والرقابة.
ومن اللافت أن النتائج الإقليمية تجعل موريتانيا متقدمة على عدد من دول الساحل بفوارق كبيرة، وهو أمر يحمل قيمة خاصة في منطقة تواجه تحديات أمنية واقتصادية ومؤسساتية معقدة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح شفافية إدارة الموارد العامة جزءا من بناء الثقة وتعزيز قدرة المؤسسات على مواجهة التحديات.
ومع أهمية النتيجة، فإن القراءة الأكثر واقعية لها تقتضي التعامل معها باعتبارها نجاحا يستدعي المزيد من العمل، وليس نهاية المطاف.
فمؤشر الموازنة المفتوحة يقيس مجموعة من الأبعاد، وليس الشفافية وحدها. وبالتالي فإن تحسين النتيجة مستقبلا يمر عبر تطوير جودة الوثائق المالية، وتوقيت نشرها، وسهولة الوصول إليها وفهمها، إلى جانب توسيع مشاركة المواطنين وتعزيز أدوار المؤسسات الرقابية والتشريعية.
وهنا يمكن لموريتانيا أن تنتقل من مرحلة إتاحة المعلومات إلى مرحلة أعمق تتمثل في تمكين المواطن من استخدام هذه المعلومات. فالمعلومة المالية تصبح أكثر قيمة عندما يستطيع الصحفي والباحث والطالب ومنظمات المجتمع المدني والمواطن العادي قراءتها وفهمها وربطها بما يلمسه يوميا من خدمات ومشاريع وسياسات عامة.
كما أن التحول الرقمي يوفر فرصة كبيرة في هذا المجال، من خلال جعل البيانات المالية أكثر سهولة وتفاعلية، وتبسيط المؤشرات، وتطوير منصات تتيح تتبع المشاريع والنفقات العمومية بصورة واضحة ومفهومة.
ولا يمكن فصل هذا التقدم عن المسار الأوسع لإصلاح المالية العامة في موريتانيا. فوزارة المالية تعرض ضمن منظومة إصلاحاتها مجموعة من الآليات المرتبطة بإدارة الميزانية والبرمجة والنتائج، كما تواصل نشر الوثائق والتقارير المالية بصورة منتظمة.
ومن هذه الزاوية، فإن نتيجة مسح الموازنة المفتوحة يمكن النظر إليها باعتبارها مؤشرا خارجيا مهما على مسار إصلاحي داخلي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بترسيخ قواعد الإدارة الحديثة للمال العام، وتحسين جودة الإنفاق، وتعزيز المساءلة.
إن بلوغ 42 نقطة في المشاركة الأولى، والتقدم على أغلب دول الساحل وتجاوز متوسط إفريقيا جنوب الصحراء، يمثلان مكسبا مؤسسيا يستحق التثمين. غير أن المكسب الأكبر سيكون في القدرة على مواصلة هذا المسار، وتحويل الشفافية من مجموعة إجراءات وتقارير إلى ثقافة راسخة في الإدارة العمومية.
إن شفافية الميزانية ليست ترفا إداريا ولا مجرد ترتيب في مؤشر دولي، بل إنها تعتبر إحدى الأدوات الأساسية لبناء الثقة بين الدولة والمواطن.
وكلما عرف المواطن كيف تجمع الدولة مواردها، وكيف توزعها، وأين تنفقها، وما النتائج التي تحققت، يصبح النقاش حول السياسات العامة أكثر موضوعية، والمساءلة أكثر فاعلية، فضلا عن تعزيز الثقة في المؤسسات.
ومن هنا، فإن حصول موريتانيا على 42 نقطة في أول مشاركة لها في مسح الموازنة المفتوحة 2025 يمثل خطوة إيجابية في مسار يستحق التشجيع والتثمين، لأنه يعكس تقدما في إتاحة المعلومة المالية، ويضع البلاد في موقع متقدم إقليميا، ويفتح في الوقت نفسه سقفا أعلى من الطموح، يتمثل في الانتقال من الشفافية في نشر الميزانية إلى الشفافية الكاملة في إدارة المال العام، ومن إتاحة المعلومة إلى إشراك المواطن في فهم ومتابعة السياسات العمومية.
وبنجاح موريتانيا في البناء على هذه النتيجة، لن يكون الرقم 42 مجرد علامة في مؤشر دولي، بل قد يتحول إلى نقطة انطلاق لمسار أكثر رسوخا في الحكامة المالية، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الرقابة، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)