
محمد محمود ولد داهي على رأس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان.. أولويات المرحلة الجديدة
يشكل تعيين الدبلوماسي والإداري محمد محمود ولد داهي رئيساً للجنة الوطنية لحقوق الإنسان بداية مرحلة جديدة أمام هيئة دستورية تضطلع بدور أساسي في حماية الحقوق والحريات وترسيخ دولة القانون. وتتمثل أبرز رهانات هذه المرحلة في تعزيز استقلالية اللجنة، وتوسيع حضورها الميداني، وتحسين آليات استقبال الشكاوى ومتابعتها، وتحويل توصياتها إلى نتائج ملموسة.
ولا تقتصر أهمية اللجنة على طبيعتها الحقوقية، بل تنبع أيضاً من مكانتها الدستورية التي تمنحها مسؤولية وطنية في رصد أوضاع حقوق الإنسان، وتقديم التوصيات، والمساهمة في نشر ثقافة الحقوق والحريات. لذلك، فإن رئاستها ليست مهمة إدارية فحسب، وإنما مسؤولية مؤسسية تتطلب حماية مكانتها وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها باستقلالية وفعالية، ولا يمكن تحقيق ذلك من دون تفعيل دور أعضائها، ولا سيما المنتخبين منهم.
ويأتي اختيار ولد داهي في ضوء مسار مهني جمع بين العمل الدبلوماسي والخبرة الإدارية، وهي تجربة قد تساعده على إدارة الملفات الحقوقية بالحوار والتنسيق، وتمثيل المؤسسة أمام الهيئات الوطنية والدولية. غير أن نجاح المرحلة المقبلة لن يرتبط بخبرة الرئيس وحدها، بل بقدرة اللجنة، باعتبارها هيئة دستورية مستقلة، على تطوير أدواتها وتحويل صلاحياتها إلى أثر ملموس في حياة المواطنين. وهذا يقتضي تفعيل القانون المنشئ لها، وتعزيز دور أعضائها، وتوضيح آليات العمل الجماعي داخلها.
استقلالية اللجنة وفعالية ولايتها
تستند المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وفق مبادئ باريس، إلى معايير أساسية، من أبرزها الاستقلالية، واتساع الولاية، والتعددية، وتوفير الموارد، والقدرة على التحقيق والمتابعة، والتعاون مع المجتمع المدني والهيئات الدولية.
وبالنسبة للجنة الوطنية لحقوق الإنسان، فإن تعزيز هذه المبادئ يمثل أولوية مركزية. فاستقلالية اللجنة لا تعني الدخول في مواجهة مع الدولة، كما أن التعاون مع السلطات لا ينبغي أن يتحول إلى تخلٍّ عن دورها الرقابي والحقوقي. والمطلوب هو إقامة توازن واضح بين التعاون المؤسسي مع الجهات العمومية، وتقديم الملاحظات والتوصيات المهنية بشأن القضايا التي تمس الحقوق والحريات.
ويقتضي هذا التوازن توفير الظروف التي تمكن اللجنة من ممارسة مهامها بحرية، ونشر تقاريرها وتوصياتها بوضوح، ومتابعة مدى الاستجابة لها. كما يتطلب تحديد آليات عملية لقياس أثر التوصيات، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسة ويكرس حضورها داخل النظام الدستوري الوطني.
ويتطلب تعزيز استقلالية اللجنة أيضاً تفعيل دور أعضائها، وضمان مشاركتهم الفعلية في إعداد البرامج والتقارير واتخاذ المواقف، بما يحول دون اختزال المؤسسة في شخص رئيسها أو في جهازها الإداري. فالقوة المؤسسية للجنة تنبع من عملها الجماعي، ومن وضوح اختصاصات أعضائها، ومن قدرتهم على ممارسة أدوارهم وفق القانون.
حضور ميداني وآليات شكاوى أكثر فاعلية
تتوقف مصداقية اللجنة بدرجة كبيرة على قدرتها على الوصول إلى المواطنين والاستماع إلى شكاواهم ومتابعة القضايا التي تحال إليها. ولذلك، فإن تطوير آليات استقبال الشكاوى ينبغي أن يكون في مقدمة أولويات القيادة الجديدة.
ويشمل ذلك تسهيل الوصول إلى خدمات اللجنة في مختلف الولايات، وتوفير قنوات واضحة وميسرة لتقديم الشكاوى، وتحسين آليات تسجيلها وتصنيفها ومتابعتها، وإبلاغ أصحابها بمراحل معالجتها ونتائجها. كما تبرز أهمية تعزيز الزيارات الميدانية، ومتابعة أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز، والاهتمام بالفئات الأكثر عرضة للانتهاكات.
ولا ينبغي أن يظل قرب اللجنة من المواطن هدفاً إدارياً فحسب، بل يجب أن يكون جزءاً من وظيفتها الوطنية في حماية الحقوق والحريات وضمان وصول الأفراد إلى آليات الرصد والإنصاف والمتابعة.
وتزداد أهمية نشر التقارير والتوصيات وتوضيح ما تم اتخاذه بشأنها. فالتوصيات لا تحقق أثرها إلا إذا اقترنت بآليات متابعة واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس، ومواعيد دورية لتقييم مدى تنفيذها.
حوار مؤسسي مع المجتمع المدني والمنظمات الدولية
تحتاج المرحلة المقبلة إلى توسيع قنوات التواصل مع منظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية الدولية، بما فيها منظمة العفو الدولية. ولا يعني هذا الانفتاح تبني جميع التقارير أو المواقف الصادرة عن هذه المنظمات، بل يتيح إقامة حوار مهني قائم على تبادل المعلومات، والتحقق من المعطيات، ومناقشة الملاحظات والانتقادات في إطار مؤسسي.
وتتناول تقارير منظمة العفو الدولية بشأن موريتانيا قضايا من بينها حرية التعبير والتجمع، والرق، والاختفاء القسري، وأوضاع الفئات المهمشة وحقوق النساء. ومن شأن إقامة قناة منتظمة للحوار أن تساعد على توضيح المواقف، ومراجعة المعطيات، وتفادي تحول الخلافات الحقوقية إلى مواجهات سياسية.
ويظل نجاح هذا التعاون مرتبطاً باحترام استقلالية اللجنة، ووضوح أدوار الأطراف، والاعتماد على المعلومات الدقيقة والموثقة. كما ينبغي أن يظل الحوار مع المنظمات الدولية مكملاً للدور الدستوري للجنة لا بديلاً عنه، وأن تستفيد المؤسسة من الخبرات والملاحظات الخارجية دون أن تفقد مرجعيتها الوطنية واستقلال قرارها.
حضور أكثر فاعلية في الآليات الدولية
تواجه اللجنة مهمة تعزيز تفاعلها مع منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان، وآلية الاستعراض الدوري الشامل، واللجان التعاهدية، والمقررين الخاصين، فضلاً عن التعاون مع التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والشبكات الإفريقية المختصة.
ولا يقتصر الحضور الدولي الفاعل على عرض التقارير، بل يشمل تقديم معلومات دقيقة، ومتابعة التوصيات، والمساهمة في تقييم السياسات والتشريعات والممارسات ذات الصلة بالحقوق والحريات. كما يتيح هذا الحضور للجنة الاستفادة من الخبرات الدولية وتطوير أدواتها الوطنية.
وفي هذا المجال، يمكن أن تشكل خبرة ولد داهي الدبلوماسية عاملاً مساعداً في عرض التجربة الموريتانية أمام الهيئات الدولية، وبناء علاقات مهنية معها، مع الحفاظ على استقلالية اللجنة بوصفها مؤسسة دستورية وطنية.
اللجنة كمنصة للحوار الوطني
لا تقتصر حماية حقوق الإنسان على اللجنة الوطنية وحدها، بل تشمل الدولة والبرلمان والقضاء والإدارة والمجتمع المدني والإعلام والجامعات والنقابات والمواطنين. غير أن الطبيعة الدستورية للجنة تمنحها موقعاً خاصاً يمكنها من الاضطلاع بدور أكبر في تنسيق الحوار الوطني حول قضايا حقوق الإنسان.
ويمكن للجنة تنظيم لقاءات تجمع مختلف الفاعلين لمناقشة الملفات الحقوقية بعيداً عن التوتر والاستقطاب، مع الحفاظ على حق النقد وضرورة معالجة الاختلالات. كما يمكنها تعزيز التنسيق بين المؤسسات الوطنية، وتقديم المقترحات المتعلقة بالتشريعات والسياسات العامة، ونشر الوعي بالحقوق والحريات.
ويظل ترسيخ الحقوق والحريات مرتبطاً بوجود مؤسسات فعالة، وقوانين عادلة، ومساءلة، وشفافية، وحوار مستمر بين الدولة والمجتمع. وفي هذا المسار، ينبغي أن تكون اللجنة إحدى المؤسسات المركزية القادرة على بناء جسور الثقة وتقديم مقاربات عملية للإصلاح.
الأولويات العملية أمام اللجنة
تضع رئاسة محمد محمود ولد داهي اللجنة أمام اختبار مؤسسي يتجاوز إدارة الملفات اليومية. وستقاس المرحلة المقبلة بمدى قدرة المؤسسة على تحويل مكانتها الدستورية إلى أداء أكثر حضوراً وتأثيراً.
وتتمثل الأولويات العملية في:
• تعزيز استقلالية اللجنة وتوفير الظروف اللازمة لممارسة مهامها بحرية.
• تفعيل القانون المنشئ للجنة، وتوضيح أدوار أعضائها، ولا سيما المنتخبين منهم، وضمان مشاركتهم الفعلية في عمل المؤسسة.
• تطوير نظام استقبال الشكاوى وتصنيفها ومتابعتها وإبلاغ أصحابها بنتائجها.
• توسيع الحضور الميداني، ولا سيما في الولايات ومؤسسات الاحتجاز.
• نشر التقارير والتوصيات بانتظام، ووضع آليات ومؤشرات لقياس تنفيذها.
• حماية الفئات الأكثر عرضة للانتهاكات وتعزيز التوعية بالحقوق والحريات.
• بناء حوار منتظم مع المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الدولية.
• تطوير التفاعل مع الأمم المتحدة والآليات الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان.
• تقديم مقترحات عملية بشأن التشريعات والسياسات العامة ذات الصلة بالحقوق والحريات.
• تعزيز العمل الجماعي داخل اللجنة، وربط برامجها بأهداف واضحة ومؤشرات قابلة للتقييم.
خلاصة
يمثل تعيين محمد محمود ولد داهي فرصة لإعادة ترتيب أولويات اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان وتطوير أدائها، إذا اقترنت خبرته الدبلوماسية والإدارية بخطة واضحة لتعزيز استقلالية المؤسسة، وتوسيع حضورها الميداني، وتحسين تعاملها مع الشكاوى، وتحويل توصياتها إلى إجراءات قابلة للقياس.
فالرهان الحقيقي لا يتمثل في تغيير القيادة وحده، وإنما في تمكين اللجنة من أداء دورها كاملاً كهيئة دستورية مستقلة، قريبة من المواطن، قادرة على رصد الاختلالات ومساءلتها، ومنفتحة على المجتمع المدني والهيئات الدولية، ومساهمة بفاعلية في ترسيخ دولة القانون.
وتتطلب هذه المهمة مؤسسة تعمل بروح جماعية، وتستند إلى قانونها، وتستفيد من خبرة أعضائها، وتضع المواطن في صميم أولوياتها. فإذا نجحت اللجنة في الجمع بين الاستقلالية والفعالية، وبين الحضور الوطني والانفتاح الدولي، فإن المرحلة الجديدة يمكن أن تشكل خطوة مهمة نحو تعزيز حماية الحقوق والحريات وترسيخ الثقة في المؤسسات.
الحسن محمد أسويلم
عضو اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان
مقرر اللجنة الإعلامية


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)