حدث وتعليق/ المرجع الرقمي للعقار.. خطوة نوعية نحو ضبط الملكية وتحديث الإدارة العقارية

في خطوة تعكس توجها متزايدا نحو تحديث الإدارة العمومية ورقمنة مختلف المجالات ذات الصلة بحياة المواطنين، صادقت الحكومة الموريتانية على مشروع مرسوم يقضي بإنشاء المرجع الوطني الرقمي للبيانات المساحية العقارية (ReCAD) واستحداث الرقم الفردي للقطعة الأرضية (NUP). ويضع هذا الإجراء أسسا جديدة لإدارة المعلومة العقارية في موريتانيا، من خلال الانتقال من تعدد المراجع والبيانات إلى منظومة وطنية موحدة وموثوقة.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كون العقار يمثل أحد أهم مكونات الثروة الوطنية، ورافعة أساسية للاستثمار والتنمية والتخطيط العمراني. ومن هنا فإن توحيد بياناته وتحديد هويته الرقمية بشكل دائم وغير قابل للتكرار من شأنه أن يعزز وضوح الملكية، ويحد من الالتباس وتضارب المعلومات، ويوفر للإدارة أدوات أكثر دقة في التخطيط واتخاذ القرار.

أبرز ما يحمله المشروع هو اعتماد ReCAD مصدرا رسميا ومرجعيا وحيدا للبيانات المساحية للدولة، بما يعني وضع حد لتعدد قواعد البيانات والمراجع التي قد تستخدمها جهات مختلفة، واستبدالها بمنظومة وطنية موحدة. كما أن الرقم الفردي للقطعة الأرضية سيكون معرفا ثابتا وفريدا ومستقلا عن التقسيم الإداري، ما يمنحه قدرة أكبر على الاستمرارية حتى مع تغير الحدود أو التقسيمات الإدارية.

وهذه النقطة تحديدا تمثل تحولا مهما في إدارة الملكية العقارية، حيث أن القطعة الأرضية لن تبقى مرتبطة فقط بموقعها الإداري أو بالوثائق المتداولة حولها، وإنما ستحمل هوية رقمية دائمة يمكن الرجوع إليها باعتبارها مرجعا موحدا لدى مختلف المصالح والهيئات المخولة قانونا بإنتاج واستعمال البيانات العقارية.

ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب التقني، إذ يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على مستوى الشفافية وحماية الحقوق وتبسيط الإجراءات. فعندما تكون البيانات العقارية موحدة ومتحققا من صحتها ومحفوظة ومحيّنة وفق قواعد واضحة، يصبح التعامل معها أكثر دقة وأقل عرضة للتضارب والأخطاء.

كما أن وجود قاعدة بيانات وطنية مؤمّنة، وتتضمن آليات لإنتاج المعلومات وجمعها والتحقق منها واعتمادها وحفظها وتحيينها وتبادلها وحمايتها، فإن ذلك يوفر أرضية مؤسسية أكثر صلابة لإدارة القطاع العقاري. وهذا ما يجعل المشروع جزءا من إصلاح إداري أوسع، وليس مجرد عملية تقنية لتحويل السجلات الورقية إلى بيانات رقمية.

ومن زاوية اقتصادية، فإن وضوح المعلومة العقارية واستقرارها يمثلان عاملا مهما في تعزيز الثقة الاستثمارية. فالمستثمر يحتاج قبل اتخاذ أي قرار إلى معرفة الوضعية القانونية والجغرافية للعقار الذي سيقيم عليه مشروعه، وكلما كانت البيانات دقيقة وموحدة وقابلة للتحقق، انخفضت المخاطر المرتبطة بالاستثمار العقاري.

وبذلك يمكن للمرجع الوطني الرقمي أن يشكل، مع اكتمال بنائه وتفعيله، إحدى الأدوات التي تساعد على تحسين مناخ الأعمال، وتسريع الإجراءات، ودعم التخطيط العمراني، وتوفير معلومات أكثر موثوقية أمام المؤسسات العمومية والفاعلين الاقتصاديين.

والأهم في هذه الخطوة أنها تعكس فهما متقدما لمفهوم الرقمنة؛ فالتحول الرقمي الحقيقي لا يتمثل في إنشاء منصات إلكترونية فحسب، وإنما في إعادة تنظيم المعلومة نفسها، وتوحيد مصادرها، وتحديد المسؤوليات المتعلقة بها، وضمان سلامتها وتحيينها وإمكانية تبادلها بشكل آمن.

ومن هذه الزاوية، فإن مشروع المرسوم يشكل لبنة مهمة في مسار تحديث الإدارة العقارية، لأنه يجمع بين الرقمنة والإصلاح القانوني والتنظيم المؤسسي في منظومة واحدة. كما أن نجاحه سيعتمد، بطبيعة الحال، على جودة التنفيذ الميداني، ودقة المسح، وتكامل قواعد البيانات، والتكوين المستمر للكوادر، وضمان حماية المعطيات.

ولا ينبغي النظر إلى ReCAD وNUP باعتبارهما مجرد اختصارين تقنيين أو نظامين معلوماتيين جديدين، بل باعتبارهما بنية تحتية رقمية لإدارة الثروة العقارية الوطنية. وإذا ما تم تنفيذ المشروع بالكفاءة المطلوبة، فإنه يمكن أن يفتح مرحلة جديدة في إدارة العقار بموريتانيا، قوامها المعلومة الدقيقة، والمرجع الموحد، والهوية العقارية الدائمة، والإدارة الأكثر سرعة وشفافية وفعالية.

وهو بذلك يمثل خطوة إضافية في مسار بناء دولة عصرية تستثمر في الرقمنة ليس باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها وسيلة لتحسين الحكامة، وحماية الحقوق، وتسهيل حياة المواطنين، وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للتنمية والاستثمار.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

جمعة, 28/08/2026 - 17:55