رفقًا بالديمقراطية يا تواصل… ليس هكذا تُورَد الإبل

 

قرأت بيان حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» بشأن الدعوات المطالبة باستمرار صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وليست المشكلة في أن يرفض تواصل هذه الدعوات؛ فله موقفه ولغيره موقفه، وإنما المستغرب أن يتحول الاختلاف السياسي إلى محاولة لوضع رأي واسع الحضور في خانة الممنوع، وتصوير مجرد التعبير عنه كأنه خطر داهم على الحوار والثقة والاستقرار.

وهنا لا بد من وضع الأمور في نصابها.

أولًا: حزب الإنصاف يسمع قواعده، وتلك وظيفته لا خطيئته

حزب الإنصاف حزب سياسي يسعى، كسائر الأحزاب، إلى توسيع قاعدته والالتحام بمناضليه والإنصات إلى منتخبيه وأطره وشخصياته المرجعية. وليس من السياسة ولا من الرشد أن يسمع الحزب من قواعده ما يوافقه، فإذا جاءه منها ما يثير خلافًا سدّ أذنيه عنه وجعل بينه وبينه حجابًا.

لقد عبّر مواطنون ومنتخبون وأطر وفاعلون عن مطالب سياسية واضحة، وواجب قيادة الحزب أن تحملها وتدرسها وتضعها على الطاولة، كما تفعل مع المطالب التنموية والاجتماعية والاقتصادية.

أما أن يُطلب من حزب سياسي أن يصم أذنيه عن صوت قواعده، فذلك أمر عجيب.

ثانيًا: لا تجعلوا الحوار شماعة لتعليق كل رأي لا يعجبكم

كلما ارتفع صوت لا يوافق هوى بعض الأطراف، قيل إن الحوار في خطر، والثقة اهتزت، والمناخ السياسي أُربك.

حتى غدت هذه العبارات سيفًا مسلطًا على الرأي المخالف.

الحوار الذي يضيق برأي معلن ليس حوارًا مكتمل العافية، والحوار الذي تحدد موضوعاته سلفًا وفق رغبة طرف دون آخر لا يجمع المختلفين، وإنما يجمع المتفقين على ما اتفقوا عليه.

فلا تجعلوا من الحوار بابًا واسعًا حين يتعلق الأمر بمطالبكم، ضيقًا حرجًا حين يتعلق الأمر بمطالب غيركم.

نحن أمام اختلاف سياسي، لا أكثر: أنتم تقولون لا، ونحن نقول نعم؛ وبين الرأيين شعب يسمع ويزن ويختار.

أما الإرهاب الفكري، وتخويف الناس من مجرد الإفصاح عن قناعاتهم، فلن يزيد أصحاب هذه القناعة إلا تمسكًا بحقهم في إعلانها ورؤوسهم مرفوعة.

ثالثًا: إن كان الشعب مصدر السلطات، فلم الخشية من صوته؟

يعلن تواصل تمسكه بالديمقراطية، ونحن كذلك.

والديمقراطية في جوهرها ليست حق النخب في الكلام نيابة عن الناس، بل حق الناس في أن تكون لهم الكلمة فيما يعنيهم.

ومن هنا يبرز سؤال لا ينبغي الدوران حوله:

إذا كان حزب تواصل يرى أن الموريتانيين يرفضون استمرار صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، فلماذا يزعجه أن يُطرح الرأي المقابل، وأن يبحث أصحابه عن المسالك القانونية والدستورية التي تجعل الكلمة للشعب؟

من كان واثقًا من رأي الشعب فلا يخشى سماع الشعب.

أما أن نستدعي الإرادة الشعبية حين توافقنا، ثم نجعل دونها سدًا حين نخشى أن تقول غير ما نريد، فذلك كيل بمكيالين.

رابعًا: لا أحد يملك أن يضع على أفواه المواطنين أقفالًا

بأي حق يُطلب من منتسب إلى حزب الإنصاف، أو من مواطن موريتاني، أن يكتم تمسكه بصاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني؟

وبأي منطق يصبح قول تواصل «نرفض المأمورية الثالثة» موقفًا ديمقراطيًا مشروعًا، بينما يصبح قول مواطن «أطالب بها عبر الطرق القانونية والدستورية» تهديدًا للحوار؟

هذه قسمة ضيزى.

حرية التعبير لا تُفصّل على مقاس رأي بعينه، ولا تكون مباحة لقوم ومحجوبة عن آخرين.

نحن لا نطلب من تواصل أن يتبنى موقفنا، ولا أن يصمت عن موقفه؛ ونطلب منه في المقابل ألا يجعل من نفسه بوابة تمنح صكوك المشروعية للآراء وتسحبها منها.

خامسًا: هذه أصوات في الأرض، وليست حبرًا على ورق

يمكن الاختلاف مع المطالبة بالمأمورية الثالثة، لكن لا يمكن إنكار أنها باتت حاضرة في المشهد السياسي.

لقد سمعناها من فصالة في أقصى الشرق إلى انجاكو في أقصى الغرب، ومن مقامة في أقصى الجنوب إلى بير أم اكرين في الشمال.

قالها منتخبون، ورددها أطر وفاعلون ورجال أعمال ومواطنون بسطاء.

فهل يمحو بيان سياسي كل هؤلاء؟

وهل المطلوب من حوار وطني يراد له أن يكون جامعًا أن يسمع كل شيء إلا ما صدحت به هذه الأصوات؟

إن تجاهل الوقائع لا يذهب بها، ووضع الرؤوس في الرمال لا يغير ما فوق الأرض.

ومن أراد حوارًا جادًا فليأتِ إليه بصدر يتسع لما يحب وما يكره، لا بقائمة معدة سلفًا لما يجوز قوله وما يجب دفنه.

سادسًا: المؤسسات والشخصيات ليست أضدادًا

أما القول إن الاستقرار يبنى بالمؤسسات لا بالأشخاص، فكلمة حق لا نزاع عليها، لكنها لا تصلح حجة في هذا المقام.

فالمؤسسات لا تسير في فراغ، والمشاريع السياسية لها رجال يحملونها، وبرامج تنفذها، وشعوب تحكم عليها.

وتمسك المواطنين بقائد يرون أن مشروعه أصلح أحوالًا، ورسخ سكينة، وأقام أوراشًا، وأنصف فئات طال عليها التهميش، لا يعني أنهم يريدون دولة بلا مؤسسات.

فلا تخلطوا الأوراق.

نحن نتمسك بصاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني لما نراه في نهجه من مصلحة للبلد، وفي استمراره من حفظ لما تحقق واستكمال لما بقي؛ وتلك قناعة سياسية نقولها ولا نتوارى عنها.

سابعًا: هموم الناس ليست حجة لإسكاتهم سياسيًا

أما دعوة الناس إلى الانشغال بالماء والكهرباء والصحة والتعليم بدل الحديث عن المأموريات، ففيها وصاية غريبة على المواطن.

المواطن الذي يطلب الماء قادر على أن يكون له رأي في مستقبل بلده، والذي يشكو طريقًا أو مدرسة ليس ممنوعًا من السياسة حتى تُحل مشكلته.

بل إن رأيه السياسي قد يكون نابعًا أصلًا من حكمه على ما تحقق في هذه المجالات.

فلا تجعلوا حاجات المواطن ذريعة لمصادرة صوته؛ فالناس أدرى بما يصلح شأنهم، ولا يحتاجون من يختار لهم متى يتكلمون وفيم يتكلمون.

وخلاصة القول:

من حق تواصل أن يرفض المأمورية الثالثة، ومن حقنا أن نطالب بها.

ومن حقه أن يدافع عن تصوره لمستقبل البلاد، ومن حقنا أن ندافع عن تصورنا.

لكن ليس من حق أحد أن يجعل موقفه هو الديمقراطية، وموقف مخالفيه خطرًا عليها.

نحن نرى أن استمرار صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني يخدم مصلحة موريتانيا، ونطالب بالبحث عن المسلك القانوني والدستوري الذي يجعل للشعب القول الفصل.

فليعرض كل طرف حجته، وليدع عن الناس الوصاية.

أما أن يُراد لأصوات ملأت الشرق والغرب والجنوب والشمال أن تخفت لأن حزبًا سياسيًا لا يستسيغ مضمونها، فذلك طلب لن يكون.

فالناس قد قالوا كلمتهم، والأصوات قد ارتفعت، وما كان لها أن تعود 
إلى الصدور بعد أن خرجت منها.

 

المصطفى الشيخ محمد فاضل

اثنين, 14/09/2026 - 19:24