الهجرة واللجوء في موريتانيا: المقاربة القانونية والتشريعية والتحديات الأمنية والأبعاد الاستخباراتية

تقديم
يشكل ملف الهجرة واللجوء أحد الملفات ذات الأبعاد القانونية والأمنية والإنسانية المتداخلة في موريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها المباشرة بمنطقة الساحل والمغرب العربي، فضلاً عن موقعها ضمن مسارات الهجرة باتجاه المجال الأوروبي.
ولا يمكن تناول هذا الملف من زاوية أمنية مجردة، كما لا يمكن اختزاله في البعد الإنساني وحده، وإنما يقتضي التوفيق بين مقتضيات حماية الحدود وتنظيم دخول الأجانب وإقامتهم، ومكافحة تهريب المهاجرين والجرائم المرتبطة به، وبين الالتزامات المترتبة عن الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان واللاجئين والحماية الدولية.
وقد أقامت موريتانيا لهذه الغاية منظومة قانونية تجمع بين القواعد الدستورية والتشريعات المتعلقة بالهجرة ومكافحة تهريب المهاجرين، والنصوص التنظيمية الخاصة بالإقامة واللاجئين، فضلاً عن الاتفاقيات الدولية والثنائية ذات الصلة.
أولاً: الإطار القانوني للوافدين وتمييز المراكز القانونية
يقتضي التعامل القانوني مع حركة الأشخاص الوافدين إلى موريتانيا التمييز بين الأجنبي المقيم بصورة نظامية، والمهاجر الموجود في وضعية غير نظامية، وطالب اللجوء، واللاجئ أو الشخص المحتاج إلى الحماية.
ويقرر الدستور الموريتاني في المادة 21 حماية الأجنبي الموجود بصورة شرعية في التراب الوطني لشخصه وممتلكاته، كما يجعل المادة 57 شروط إقامة الأشخاص ووضعية الأجانب من المسائل التي ينظمها القانون. وتقرر المادة 80 أولوية المعاهدات والاتفاقيات المصادق عليها على القوانين وفق الشروط الدستورية المقررة.
ويخضع نظام دخول الأجانب وإقامتهم، في جانبه الوطني، لأحكام القانون رقم 65-046 بتاريخ 23 فبراير 1965 المتضمن الترتيبات الجزائية الخاصة بنظام الهجرة، المعدل بالقانون رقم 2024-38 بتاريخ 8 أكتوبر 2024، ولأحكام المرسوم رقم 2012-031 المتعلق بنظام الهجرة وطرق تأمين بطاقة الإقامة، المعدل بالمرسوم رقم 2024-042.
وتعاقب المادة الأولى الجديدة من القانون رقم 65-046 على الدخول إلى التراب الوطني دون المرور بأحد المعابر الرسمية، وعلى بعض صور الإقامة المخالفة لأحكام أنظمة الهجرة، فضلاً عن بعض الأفعال المرتبطة بالمساعدة على الدخول أو الإقامة بطريقة احتيالية. وتتراوح العقوبة بين غرامة من 50.000 إلى 500.000 أوقية والحبس من شهرين إلى ستة أشهر، أو إحدى هاتين العقوبتين فقط. كما يترتب، وفق النص نفسه، إبعاد الأجنبي المخالف وحظر دخوله إلى التراب الوطني لمدة تتراوح بين سنة وعشر سنوات وفق تقدير السلطة الإدارية المختصة.
أما الأفعال المرتبطة باستعمال أو تزوير الوثائق للحصول على التأشيرات أو ضمانات الدخول أو تصاريح الإقامة، فقد أفرد لها القانون أحكاماً خاصة، ولا سيما المادة 3 الجديدة من القانون رقم 65-046، التي تقرر عقوبة سالبة للحرية تتراوح بين ستة أشهر وسنتين في الحالات التي حددها النص.
وفي مجال مكافحة تهريب المهاجرين، يشكل القانون رقم 2010-021 بتاريخ 15 فبراير 2010، المعدل بالقانون رقم 2020-18 بتاريخ 6 أغسطس 2020، الإطار الجزائي الأساسي. وتعاقب المادة 4 على تهريب المهاجرين بالسجن من خمس إلى عشر سنوات وبغرامة من خمسة إلى عشرة ملايين أوقية، بينما تعالج المواد اللاحقة الأفعال المرتبطة بتزوير وثائق السفر واستعمالها وتسهيل الإقامة غير الشرعية وغيرها من الجرائم ذات الصلة.
ويتمتع ضحايا تهريب المهاجرين بحماية قانونية خاصة. فالمادة 17 من القانون رقم 2010-021 تقرر عدم إخضاع الأشخاص المهربين الذين ثبتت صفتهم كضحايا للمتابعة أو الإدانة بموجب الجرائم المنصوص عليها في القانون، مع استثناء من يثبت رسمياً تورطه عن قصد في ارتكاب الجريمة.
ثانياً: اللجوء والحماية الدولية
تتميز وضعية طالب اللجوء واللاجئ عن وضعية المهاجر غير النظامي، إذ تقوم على أساس قانوني مختلف يرتبط بالحماية الدولية.
ويحدد المرسوم رقم 2022-03 الصادر بتاريخ 5 مايو 2022 إجراءات تطبيق الاتفاقيات الدولية المتعلقة باللاجئين في موريتانيا، ولا سيما اتفاقية جنيف لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967 واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969، كما ينظم وضعية الشخص المحتاج إلى الحماية.
وقد أنشأ المرسوم لجنة وطنية استشارية حول اللاجئين والأشخاص المحتاجين للحماية، تتولى إبداء الرأي في طلبات قبول صفة اللاجئ وفي وضعية الأشخاص المحتاجين للحماية.
ولا تحول الحماية الدولية دون إجراء التحقق القانوني والأمني في الحدود التي يسمح بها القانون. فقد حدد المرسوم حالات لا يمكن فيها قبول الشخص في وضعية اللاجئ أو الشخص المحتاج للحماية، ومن بينها ارتكاب بعض الجرائم الخطيرة أو القيام بأفعال تتنافى مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي.
كما أن الحائز على وضعية اللاجئ أو الشخص المحتاج للحماية يبقى ملتزماً باحترام القوانين والنظم الموريتانية، وبالامتناع عن الأنشطة التخريبية أو الأنشطة التي من شأنها المساس بالأمن الوطني.
وفي المقابل، فإن إجراءات الطرد بالنسبة للحاصلين على الحماية الدولية تخضع لضمانات خاصة، ولا يمكن اللجوء إليها إلا في الحالات التي حددها المرسوم، ولا سيما لأسباب تتعلق بالأمن أو في حالة الإدانة عن وقائع تشكل جنايات أو جنحاً.
أما المادة 65 من القانون رقم 2010-021، المتعلقة بإعادة المهاجرين، فتنظم أساساً الإعادة الطوعية للمهاجرين موضوع التهريب، مع مراعاة سلامتهم والمصلحة العليا للطفل. وتوجب المادة ذاتها توجيه الأشخاص الذين يطلبون الحماية الدولية إلى الهيئات المختصة، وتنص على وقف إجراءات العودة عند تقديم طلب اللجوء، وهو ما يشكل ضمانة إجرائية مهمة في مجال الحماية الدولية.
ثالثاً: مراقبة الحدود وتنظيم حركة الأشخاص
أصبحت مراقبة الحدود من أهم أدوات السياسة الوطنية في إدارة تدفقات الأشخاص، ليس فقط من منظور منع الدخول غير النظامي، وإنما كذلك لضمان التحقق من هوية الداخلين وتنظيم حركتهم والتمييز بين مختلف المراكز القانونية للأجانب.
وفي هذا الإطار، صدر المقرر رقم 2025/00129 بتاريخ 11 فبراير 2025، الذي حدد 82 معبراً حدودياً إلزامياً على عموم التراب الوطني لحركة الأشخاص والممتلكات، وقسمها إلى معابر ثنائية ومعابر دولية وفق القواعد والاتفاقيات المنظمة لها.
ويمثل ضبط المعابر الحدودية مدخلاً أساسياً لمراقبة حركة الأشخاص، وتسجيل الوافدين، والتحقق من الوثائق والهويات، والحد من عمليات التسلل واستعمال الوثائق المزورة.
كما أن نظام الإقامة، الذي ينظمه المرسوم رقم 2012-031 المعدل بالمرسوم رقم 2024-042، يعتمد بطاقة إقامة بيومترية، بما يعزز إمكانية التحقق من هوية الأجنبي ووضعه القانوني ومتابعة وضعيته الإدارية.
رابعاً: البعد البحري ومكافحة تهريب المهاجرين
يمثل المسار البحري أحد أكثر جوانب الهجرة غير النظامية حساسية، نظراً لما ينطوي عليه من مخاطر على حياة المهاجرين، إضافة إلى ارتباطه بشبكات تهريب منظمة.
وقد أنشأ القانون رقم 2013-041 بتاريخ 12 نوفمبر 2013 هيئة خفر السواحل الموريتانية، باعتبارها قوة أمنية مسؤولة عن النشاط المدني للدولة في المياه الخاضعة للقوانين الموريتانية، ومنح أفرادها صفة الضبطية القضائية.
كما أسند إليها القانون، بالتعاون مع الإدارات المختصة، مهام مكافحة الهجرة غير النظامية عن طريق البحر، ومكافحة المخالفات والأعمال الإرهابية في البحر، والبحث والإنقاذ البحري، إلى جانب المهام الأخرى التي يحددها القانون.
وبالإضافة إلى ذلك، أفرد القانون رقم 2010-021 المعدل أحكاماً خاصة لمكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البحر. وتحدد المواد 45 وما يليها نطاق تطبيق هذه الأحكام والسلطات المخولة للموظفين المأذون لهم، مع مراعاة قواعد الاختصاص والقانون الدولي والتزامات الدولة في مجال إنقاذ الأشخاص وحماية حياتهم وحقوقهم.
خامساً: الظروف المشددة والوسائل القانونية للتحري
شدد المشرع الموريتاني العقوبات المقررة لتهريب المهاجرين في الحالات التي تنطوي على خطورة خاصة. وتنص المادة 18 من القانون رقم 2010-021 المعدل على مضاعفة الحد الأقصى للعقوبات في حالات متعددة، من بينها تعريض حياة المهاجرين أو أمنهم للخطر، وارتكاب الجريمة في إطار جماعة إجرامية منظمة، والعود، واستعمال العنف أو الأسلحة، وتهريب أعداد كبيرة من المهاجرين، أو كون الضحية طفلاً أو امرأة حاملاً أو شخصاً من ذوي الإعاقة.
كما تقرر المادة 19 مصادرة الأموال والأشياء المتحصلة من الجرائم المنصوص عليها في القانون، بينما تسمح المادة 20 للمحاكم، في الحالات التي حددها القانون، بالحكم بمجموعة من العقوبات التكميلية، ومنها منع الأجنبي المدان من دخول التراب الوطني لمدة يمكن أن تصل إلى عشر سنوات.
وفي الجانب الإجرائي، يوفر القانون أدوات خاصة للتحقيق في الجرائم المنظمة المرتبطة بالهجرة. فتسمح المادة 24 بالتفتيش والزيارة في إطار التحقيقات الرسمية في الحالات التي ترتكب فيها الجريمة من طرف جماعة إجرامية منظمة، كما تجيز المادة 25، بإذن قضائي، مراقبة أو التنصت على خطوط هاتفية عند وجود مؤشرات حقيقية على ارتباطها بالجرائم التي حددها القانون.
وتنظم المادة 26 ما يعرف بعملية الاختبار، التي يمكن اللجوء إليها بقرار من وكيل الجمهورية المختص وتحت رقابته، بغرض جمع الأدلة أثناء وقوع الجريمة وتحديد هوية المتورطين، مع إمكانية تنفيذها عبر الحدود في إطار الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف ذات الصلة.
وتوفر هذه المقتضيات أساساً قانونياً لتطوير قدرات التحقيق والتحري في مواجهة شبكات تهريب المهاجرين، مع ضرورة أن تتم ممارسة هذه الصلاحيات في إطار الضمانات القضائية التي حددها القانون.
سادساً: إدارة الحدود والمشاركة المحلية
اعتمدت موريتانيا كذلك مقاربة تقوم على إشراك السلطات المحلية والمجتمعات الحدودية في إدارة الحدود.
فبموجب المقرر رقم 0590 بتاريخ 10 يوليو 2018، أنشئت لجنة وطنية ولجان جهوية لتسيير الحدود. وتتمثل مهام اللجنة الوطنية في تنفيذ السياسة الحدودية، وتنسيق أعمال مختلف الجهات المعنية، وترقية التعاون عبر الحدود، وإشراك الفاعلين المحليين والمواطنين في تصور وتنفيذ السياسة المتعلقة بأمن الحدود.
كما تضم اللجان الجهوية ممثلين عن السلطات الإدارية والأمنية والعسكرية والقطاعات الحكومية ذات الصلة، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني وزعماء القرى.
وتسمح هذه البنية المؤسسية بتطوير آلية للتنسيق بين البعد الأمني والبعد التنموي في المناطق الحدودية، ولا سيما في المناطق الهشة التي تتأثر بصورة مباشرة بالتدفقات البشرية والنشاطات الاقتصادية العابرة للحدود.
ومن الناحية العملية، يمكن تطوير هذه المنظومة بما يعزز سرعة تداول المعلومات المتعلقة بالحركة غير المعتادة للأشخاص والوقائع ذات الصلة بأمن الحدود، شريطة أن يتم ذلك في إطار قانوني واضح يحترم الاختصاصات والضمانات المقررة.
سابعاً: التحدي الأمني والاستخباراتي
لا تقتصر مخاطر الهجرة غير النظامية على مسألة مخالفة قواعد الدخول والإقامة، إذ يمكن أن تستغل شبكات الجريمة المنظمة مسارات الهجرة لتسهيل أنشطة أخرى، مثل تهريب الأشخاص، وتزوير الوثائق، والاتجار بالبشر، وغيرها من الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود.
كما تفرض طبيعة المنطقة الحدودية تحديات إضافية، بسبب اتساع الحدود البرية، وتداخل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين سكان المناطق الحدودية، ووجود روابط عائلية وقبلية تتجاوز الحدود السياسية.
غير أن المعالجة الأمنية لهذه المخاطر ينبغي أن تقوم على التمييز بين مجرد وضعية الهجرة غير النظامية وبين وجود مؤشرات فعلية على ارتكاب جريمة أو تهديد للأمن الوطني. فالمهاجر غير النظامي لا يصبح، بمجرد وضعه الإداري، عنصراً إجرامياً أو تهديداً أمنياً.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير القدرات الاستخباراتية القائمة على جمع المعلومات وتحليلها والتحقق منها، بدلاً من الاكتفاء بالمعلومات الأولية أو الانطباعات الميدانية غير المدعومة بالتحليل.
كما ينبغي توجيه الاهتمام نحو تحليل أنماط الحركة، وشبكات التهريب، والوثائق المزورة، والعلاقات المالية واللوجستية المرتبطة بالجرائم، مع احترام الحدود التي يضعها القانون أمام أعمال التحري والمراقبة.
ثامناً: المقاربة التنموية والأمنية
لا يمكن فصل أمن الحدود عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمناطق الحدودية. فضعف الخدمات الأساسية وندرة المياه ومحدودية فرص العمل قد تزيد من هشاشة السكان وتجعل بعض المناطق أكثر عرضة لاستغلال شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
ومن ثم، فإن دعم المناطق الحدودية بالخدمات الأساسية، وتحسين الوصول إلى المياه والتعليم والصحة، وتنمية الأنشطة الزراعية والرعوية والتجارية المشروعة، يمكن أن يشكل جزءاً من السياسة الوقائية لأمن الحدود.
وتزداد أهمية هذا الجانب في المناطق التي تستقبل أعداداً كبيرة من اللاجئين أو الوافدين، حيث يصبح من الضروري الجمع بين حماية السكان المحليين وتوفير الحد الأدنى من الظروف الإنسانية للأشخاص الموجودين تحت الحماية الدولية.
خاتمة
تكشف المنظومة القانونية الموريتانية المتعلقة بالهجرة واللجوء عن اتجاه واضح نحو الجمع بين تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم، ومكافحة تهريب المهاجرين والجريمة المنظمة، وبين احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان واللاجئين.
ويظل التحدي الأساسي في حسن تطبيق هذه المنظومة على أرض الواقع، بما يضمن فعالية الرقابة على الحدود وملاحقة شبكات التهريب، دون الخلط بين الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، ودون المساس بالضمانات المقررة لطالبي اللجوء واللاجئين وضحايا تهريب المهاجرين.
ومن الناحية الأمنية، تقتضي المرحلة المقبلة تعزيز التنسيق بين الأجهزة والمؤسسات المعنية، وتطوير قدرات جمع المعلومات وتحليلها، وتحسين إدارة المعابر والمناطق الحدودية، مع ربط السياسة الأمنية بسياسة تنموية قادرة على معالجة بعض العوامل التي تزيد من هشاشة المناطق الحدودية.
أما تطوير الأدوات الاستخباراتية والتحريات الخاصة، فينبغي أن يتم في إطار الصلاحيات التي يقررها القانون وتحت الرقابة القضائية حيث يشترطها النص، بما يحقق التوازن الضروري بين متطلبات الأمن الوطني وسيادة القانون وحماية الحقوق الأساسي.

———————————-
القاضى / محمدن الشيخ
مستشار وزير العدل الموريتاني 

خميس, 17/09/2026 - 15:30