آدرار.. زيارة رئاسية ترسم ملامح مرحلة جديدة من التواصل والإنجاز/ إسماعيل ولد الرباني*

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، لولاية آدرار مجرد محطة جديدة في برنامج الزيارات الميدانية للولايات الداخلية، بل بدت، من خلال محطاتها المختلفة، مناسبة لقراءة العلاقة المتجددة بين الدولة والمواطن، واستعراض ما تحقق خلال السنوات الماضية، والاستماع المباشر إلى تطلعات السكان وانشغالاتهم.

فالزيارة، التي شملت أطار وشنقيط ووادان وأوجفت، قامت في جوهرها على التواصل المباشر مع المواطنين والاطلاع على واقع الولاية ومشاريعها التنموية، وهو ما أكدته الرئاسة باعتباره أحد الأهداف الأساسية للجولة.

إن أبرز ما لفت الانتباه في المشهد الآدراري هو ذلك الحضور الشعبي اللافت الذي واكب مختلف محطات الزيارة.

فمنذ وصول رئيس الجمهورية إلى أطار، اصطف مواطنون على جنبات الطريق المؤدي إلى المدينة، وشاركت مكونات اجتماعية وسياسية ومنتخبون وأطر ووجهاء وفاعلون جمعويون في الاستقبال، فيما تواصلت مظاهر الحضور الشعبي في محطات الزيارة اللاحقة.

ولا يمكن اختزال هذه المشاهد في بعدها الاحتفالي فقط؛ فهي، في القراءة السياسية والاجتماعية، تعكس استمرار قنوات التواصل المباشر بين السلطة المركزية والمجتمعات المحلية، وتكشف أن الزيارة الرئاسية تحولت إلى فضاء للقاء بين الدولة بمؤسساتها والمواطن بتطلعاته وانتظاراته.

والأهم أن هذا التواصل لم يكن في اتجاه واحد؛ فقد أعلن رئيس الجمهورية في أطار أن من أهداف الزيارة الاستماع إلى السكان، والوقوف على المشكلات والتحديات وتحديد الأولويات التي تحتاج إلى معالجة، إلى جانب إطلاعهم على الوضع العام للبلاد وفتح النقاش حول القضايا الوطنية الكبرى.

ومن أبرز دلالات الزيارة أيضا أنها وفرت مناسبة لإعادة وضع حصيلة التنمية المحلية أمام المواطنين أنفسهم.

فحين يصل الرئيس إلى عاصمة الولاية، ثم ينتقل إلى مختلف مقاطعاتها، فإن المشهد التنموي يصبح موضوعا للملاحظة والنقاش والحكم عليه من قبل السكان المستفيدين منه.

وقد جاءت الاستقبالات الشعبية في أطار مصحوبة بشعارات تثمن ما تحقق من مشاريع وبرامج تنموية في الولاية، في وقت خصص فيه رئيس الجمهورية لقاء مع أطر ووجهاء وفاعلي مقاطعة أطار لاستعراض حصيلة الإنجازات وآفاق التنمية المحلية.

كما حملت الزيارة قرارات وإجراءات مرتبطة بخصوصية آدرار الاقتصادية والاجتماعية، من بينها الإعلان عن إجراءات عاجلة لإصلاح وتطوير تسيير الواحات، بما في ذلك إنشاء وكالة وطنية لتنمية الواحات وإعادة هيكلة شركة تمور موريتانيا.

وهكذا، فإن صورة آدرار التي خرجت بها الزيارة ليست صورة ولاية تنتظر فقط، وإنما صورة فضاء تنموي راكم خلال السنوات الأخيرة مشاريع وتدخلات، مع استمرار الحاجة إلى معالجة اختلالات وتحديات قائمة.

وربما كانت الرسالة الأهم التي حملتها الزيارة هي أن التنمية ليست محطة تنتهي بانتهاء مشروع، وإنما مسار متواصل يحتاج إلى مراجعة الأولويات وتطوير السياسات والاستماع إلى السكان.

وهنا تكتسب اللقاءات المفتوحة التي جمعت الرئيس بسكان مختلف المقاطعات أهمية خاصة، لأنها تجعل المواطن شريكا في تشخيص الواقع، وتمنح الدولة فرصة للوقوف على الحقيقة الكاملة للواقع المحلي.

ومن هذا المنظور، فإن الأمل الذي صاحب الزيارة لا يرتبط فقط بما أنجز، وإنما أيضا بما يمكن إنجازه مستقبلا؛ فالحديث عن آفاق التنمية، وعن الواحات والخدمات والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، يفتح النقاش حول مرحلة جديدة يكون عنوانها البناء على ما تحقق ومعالجة ما تبقى من تحديات.

كما شكلت الزيارة اختبارا ميدانيا لصورة الواقع التي تتداولها المنصات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي.

فالانتقال من مدينة إلى أخرى، واللقاء المباشر مع السكان، ومشاهدة المشاريع والإنجازات والاستماع إلى المواطنين، كلها عناصر تجعل المعاينة الميدانية أكثر قدرة على تقديم صورة مركبة عن الواقع، بعيدا عن المبالغات التي قد تصنعها الدعاية، سواء في اتجاه التهويل أو في اتجاه التمجيد.

ومن هنا يمكن القول إن الحضور الميداني للرئيس في آدرار أتاح للسكان فرصة التعبير المباشر عن احتياجاتهم، كما أتاح للرأي العام فرصة مقارنة ما يقال عن الولاية بما يظهر على الأرض.

وبذلك تصبح أفضل مواجهة للشائعات ليست الدخول في سجال معها، وإنما وضع الوقائع والإنجازات والمشكلات أمام المواطنين وترك الواقع يتحدث عن نفسه.

وفي بعدها السياسي، تعكس الزيارة نهجا يقوم على التواصل والاستماع والتشاور، وهي عناصر ظلت حاضرة في الخطاب الرسمي للرئيس خلال هذه الجولة.

فالرئيس لم يقدم الزيارة باعتبارها مناسبة للاستماع إلى عبارات الترحيب فقط، بل ربطها صراحة بالاطلاع على المشكلات وتحديد الأولويات، وبالنقاش حول القضايا الوطنية الكبرى.

وهذا المعنى مهم في بلد يحتاج، مثل غيره، إلى توسيع مساحات التفاهم وتقليل أسباب الاحتقان، وجعل التنافس السياسي والاجتماعي جزءا من حيوية المجتمع لا سببا لتعطيل مسار التنمية.

كما أن التركيز على الفئات الهشة والإنصات إلى احتياجات المواطنين الأقل استفادة من ثمار التنمية يضع البعد الاجتماعي في قلب المشروع التنموي؛ فنجاح التنمية لا يقاس فقط بحجم المشاريع، وإنما بمدى انعكاسها على حياة الناس وفرصهم وخدماتهم ومستقبل أبنائهم.

ولعل أكثر ما منح زيارة آدرار بعدا وجدانيا خاصا تزامنها مع هطول الأمطار.

ففي المخيال الشعبي الموريتاني، المطر ليس مجرد ظاهرة مناخية، وإنما يحمل دلالات عميقة ترتبط بالخير والبركة والقبول والبشارة. ولذلك كان من الطبيعي أن ينظر كثيرون إلى تزامن الزيارة مع الأمطار باعتباره مشهدا ذا رمزية خاصة، يجمع بين الأمل في التنمية والأمل في موسم زراعي ورعوي أفضل.

ولا تحتاج هذه الدلالة الشعبية إلى تحويلها إلى تفسير سياسي أو ديني؛ يكفي أنها تضيف إلى المشهد معنى وجدانيا متجذرا في الذاكرة المحلية.

وأخيرا، تبدو زيارة رئيس الجمهورية لآدرار أكثر من جولة بروتوكولية؛ إنها محطة تضع ثلاث قضايا في واجهة النقاش الوطني: ما الذي تحقق؟ وما الذي لا يزال مطلوبا؟ وكيف يمكن الحفاظ على التواصل بين الدولة والمواطن؟

فالاستقبالات الشعبية الواسعة، واللقاءات المفتوحة، واستعراض حصيلة التنمية، والإعلان عن إجراءات جديدة تخص قطاعات ذات أهمية للولاية، كلها عناصر تجعل الزيارة مناسبة لإعادة قراءة المسار التنموي في آدرار من زاوية الواقع الميداني.

وإذا كانت السياسة تُقاس أحيانا بما يقال في المنابر، فإن التنمية تُقاس بما يراه المواطن في حياته اليومية، بينما تُقاس الحكامة بقدرة الدولة على الاستماع إلى ما تحقق وما لم يتحقق، ثم تحويل الملاحظات إلى قرارات وبرامج.

ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من زيارة آدرار هي أن طريق البناء ما يزال مفتوحا، وأن اللحمة الاجتماعية والتواصل المباشر والاستماع للمواطن، إلى جانب استثمار ما تحقق وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، تبقى عناصر أساسية لاستدامة التنمية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

*- إسماعيل ولد الرباني

المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

 

أربعاء, 23/09/2026 - 10:44