
أرى أن القيود القانونية والتنظيمية المفروضة على مسؤولينا، بما تتسم به أحيانا من تشدد، تشكل أحد العوامل التي تعوق تنمية البلاد.
نطالب كبار المسؤولين في الدولة وفي مؤسساتنا العمومية بتحقيق النتائج، ونخضعهم في الوقت نفسه لقيود تحد بصورة ملموسة من قدرتهم على العمل. وفي تقديري، يعد ذلك أحد أبرز التناقضات في نمط الحوكمة لدينا: نطالب بالنجاح، من دون أن نمنح دائما المكلفين بتحقيقه الوسائل اللازمة لاتخاذ القرار والعمل بقدر كاف من الحرية.
تتضافر أعباء القوانين واللوائح مع إكراهات الأعراف والتوازنات والمحاصصات السياسية وغيرها من الالتزامات الاجتماعية، فتثقل عملية اتخاذ القرار. وقد يصبح اختيار المعاونين وتنظيم المصالح وتخصيص الموارد رهينا باعتبارات تتعارض مع بلوغ الأهداف. فحين يضطر المسؤول إلى العمل بفريق مفروض عليه، وقرارات موزعة بين جهات متعددة، وموافقات متتابعة، وإجراءات مقيدة، تغدو سلطته منقوصة، ويصعب التوفيق بينها وبين مطالبته بالنتائج.
ويبدو لي أن الضوابط التي تحكم التسيير لدينا يغلب عليها هاجس منع الاختلاس أكثر مما يحكمها منطق التنمية. فقد أعطينا الأولوية لما يمكن تسميته ضوابط «مكافحة السرقة»، والتي أظهرت حدود فعاليتها، من دون أن نولي ما يكفي من الاهتمام للحوكمة التي تتيح المبادرة والاستثمار والابتكار والتنمية. ولا شك أن حماية المال العام ضرورة لا غنى عنها، لكنها لا ينبغي أن تحجب الخسائر التي قد تنجم عن استثمار مؤجل، أو تجهيز لم تجر صيانته في الوقت المناسب، أو كفاءة لم يجر توظيفها، أو صفقة أرسيت بسعر متدن، أو فرصة ضاعت.
وقد تكون كلفة تأخير الإنفاق، حين تحول المساطر التنظيمية دون تنفيذه، أكبر من كلفة تنفيذه في أوانه. فالمعيار الأساسي ينبغي أن يكون جدوى النفقة والنتيجة المرجوة منها.
فعلى سبيل المثال فقد أخر أحد المديرين القدماء، ممن عرفوا بالنزاهة والترشيد في النفقات والصرامة في التسيير، اقتناء تجهيز أساسي سعيا إلى الحصول على أفضل سعر، مما أدى إلى عدم إتاحة التجهيز عند الحاجة إليه حيث اضطرت المؤسسة إلى الاستئجار لتلبية حاجتها. وفي المحصلة، تجاوزت كلفة الاستئجار الهامش المالي الذي كان يؤمل تحقيقه من تأجيل الاقتناء. وتبين هذه الواقعة أن قرارا يبدو حذرا وموفرا قد يتحول إلى عبء مالي إذا جرى تقييمه على أساس سعر الشراء وحده، من دون احتساب كلفة التأخير والآثار التشغيلية المترتبة على عدم توافر التجهيز في الوقت المناسب.
وينبغي، بالقدر نفسه، التمييز بين التوفير المالي الحقيقي ومجرد عدم استخدام كامل الاعتمادات المرصودة في الميزانية. فالاعتمادات غير المنفقة قد توحي بتسيير مقتصد، بينما تعكس أحيانا فواتير غير مسددة، أو أشغالا مؤجلة، أو احتياجات مهملة، أو أهدافا لم تتحقق أو عدم القدرة على استيعاب المستندات. ولذلك، لا يقاس التوفير المالي الحقيقي فقط بما لم ينفق، بل بالعلاقة بين الموارد المستخدمة والنتائج المتحققة فعلا.
وتوضح واقعة أخرى هذا الالتباس. إذ يروى أن مدير إحدى المؤسسات العمومية أعاد إلى الخزينة جزءا من الإعانة الممنوحة لمؤسسته، مقدما هذا الإجراء كدليل على أمانته وحسن تسييره. غير أن بعض النفقات الأساسية، ومنها فواتير الكهرباء، لم تكن قد سددت، بحسب الرواية نفسها. فإعادة الاعتمادات في مثل هذه الظروف لا تمثل توفيرا ماليا، بل قد تعني ببساطة أن التزامات لم تنفذ، أو أن احتياجات ظلت من دون تلبية. فحسن التسيير لا يتمثل في الإنفاق بأقل قدر ممكن، وإنما في الاستخدام الأمثل للوسائل المتاحة لتحقيق الأهداف المحددة. أما الاستخدام المنقوص، دون مبرر، للميزانيات المخصصة، فيعد قصورا في الأداء.
فقد يدير رئيس مؤسسة شؤونها بأمانة تامة، ويلتزم القواعد بكل دقة، ثم ينتهي مع ذلك إلى حصيلة كارثية. وقد يحدث ذلك عندما تقود معايير شديدة التركيز على السعر الآني إلى اختيار صاحب العرض الأقل سعرا، من دون تقدير كاف لكفاءة مقدمي الخدمات وموثوقية الحلول وكلفتها الإجمالية طوال مدة استخدامها. وقد تفضي صفقة تبدو منخفضة الكلفة إلى تأخير وأعطال وتكاليف كبيرة في النهاية.
وتبرز الصعوبة نفسها حين لا يستطيع المسير التعاقد مباشرة مع متخصص ذي كفاءة مثبتة، في الآجال وبالشروط التي تقتضيها الحاجة. فقد تحرم المؤسسة من خبرة حاسمة، مع التقيد التام بجميع الإجراءات. فالنزاهة والالتزام بالقانون أمران لا غنى عنهما، لكن لا بد أن يقترنا بقدرة فعلية على اتخاذ الخيارات التي تخدم مصلحة المؤسسة.
ومن ثم، لا بد من إعادة النظر في الشروط التي تمارس في ظلها المسؤولية العمومية. وينبغي مراجعة كل إجراء على ضوء جدواه الفعلية والمخاطر التي يقي منها بالموازاة مع ما قد يسببه من تأخير وتكاليف وتعطيل. كما ينبغي تقييم أجهزة الرقابة نفسها بحسب إسهامها في حماية الموارد العمومية من دون الإخلال بحسن سير المصالح. فالرقابة لا ينبغي أن تقتصر على منع المخالفة، بل يفترض أن تسهم أيضا في تيسير الإنجاز وتحقيق النتائج.
وأقترح، في هذا المنظور، أن يقوم التسيير على التزام متبادل: تمكين المسؤول من الوسائل المادية والتنظيمية والقانونية اللازمة لمهمته، ومنحه حرية فعلية في العمل، ومحاسبته في المقابل عن نتائج محددة سلفا. فتلتزم الجهة المسندة للمهمة بما تعهدت به من موارد واستقلالية، ويلتزم هو بحسن استخدام هذه الوسائل وبما يتعين إحرازه من تقدم.
وينبغي أن يشمل هذا التمكين، على وجه الخصوص، صلاحية تشكيل فريق كفء يحظى بثقة المسؤول. فمن الصعب أن نطالب شخصا بتحمل المسؤولية الكاملة عن نتائج عمل معاونين لم يخترهم، أو لا يستطيع استبدالهم إذا ثبت عجزهم عن أداء مهامهم. وفي المقابل، فإن من يملك حرية اختيار فريقه عليه أن يتحمل تبعات اختياراته. وذلك هو التوازن القائم على تحقيق النتائج.
وثمة مثال آخر منقول هذه المرة على المستوى الحكومي، له دلالة خاصة. فقد طلب وزير أول سابق، بحسب ما يروى، من رئيس أحد أحزاب الأغلبية الرئاسية أن يقترح أسماء بديلة عن مرشحين كان قد قدمهما لتولي حقيبتين وزاريتين آلتا إلى حزبه بموجب اتفاق انتخابي أبرمه مع الرئيس خلال ترشحه. وكان الوزير الأول يرى أن المرشحين لا يملكان الكفاءات المطلوبة، ولذلك يرغب في استبدالهما. غير أن رئيس الحزب أجابه، وفقا للرواية نفسها، بأن لا أحد يستطيع تغيير الاسمين، لأن المعنيين اكتسبا، في نظره، حقا في هذين المنصبين مقابل نضالهما والتزامهما السياسي.
ويختزل هذا المثال وحده تناقضا عميقا: إذا كانت المناصب الوزارية تعد امتيازات مكتسبة، أو حصصا توزع مقابل الدعم السياسي، فكيف نطالب الحكومة بعد ذلك بتحمل المسؤولية الكاملة عن فاعلية أدائها؟ لا يستقيم أن نطالب مسؤولا بتحقيق النتائج، ثم نفرض عليه، باسم التوازنات السياسية، معاونين غير قادرين على تحقيقها.
ولا ينبغي أن تشكل الانتماءات الجهوية أو المجتمعية أو العائلية أو السياسية امتيازا، ولا كذلك سببا للإقصاء التلقائي. فالمعيار الحاسم يجب أن يكون القدرة على أداء المهمة المسندة. ويتحمل المسؤول بعد ذلك تبعات اختياراته أمام تقييم مستقل يرتكز على النتائج المحققة.
وفي المؤسسات العمومية، يجب أن توضع تحت تصرف المدير العام ميزانية متفق عليها، وأن يمنح هامشا أوسع بكثير لتنظيم المصالح، واستقطاب الكفاءات اللازمة، واختيار الحلول التقنية، وإجراء المشتريات الضرورية في الوقت المناسب. وتتيح عمليات رقابة منتظمة بعد التنفيذ ضبط هذه الاستقلالية ومنع التجاوزات المحتملة أو تصحيحها، فيما يشكل، أصلا، اختيار المسؤول على معايير موضوعية، ضمانة أساسية. أما الالتزامات الكبرى، فتبقى خاضعة لرقابة تتناسب مع آثارها، على أن تنجز ضمن آجال محددة بوضوح.
أما الأهداف، فينبغي تحديدها انطلاقا من وضعية مرجعية موثقة، ومن الوسائل المتاحة فعليا، وضمن جدول زمني واقعي. ولا ينبغي أن يقتصر التقييم على مدى التقيد بالإجراءات، بل عليه أن يقيس التحسينات الملموسة التي تحققت، وكلفتها، واستدامتها.
فينبغي، مثلا، تقييم أداء مؤسسة الكهرباء، بحسب استمرارية التزويد، وخفض الفاقد، وتحصيل المستحقات، وجودة الخدمة، وصيانة التجهيزات، استنادا إلى تشخيص أعد عند تولي المسؤول مهامه، ومع مراعاة الوسائل المتاحة له.
وينبغي كذلك أن يقترن هذا الالتزام بالنتائج بحوافز مرتبطة بالنجاح. فأجر يتضمن جزءا معتبرا مرتبطا بنتائج مؤكدة من شأنه أن يقيم صلة مباشرة بين المسؤولية والأداء. ويجب أن تكون هذه الحوافز شفافة، قائمة على معايير قابلة للقياس، تراعي في آن واحد جودة الخدمة، والتحكم في التكاليف، واستدامة النتائج.
وتبين طريقة عمل الشركات الدولية الكبرى، في هذا الصدد، ضرورة التمتع بصلاحيات واسعة في اتخاذ القرار. فاستقلالية المسير تقترن عادة بأهداف دقيقة، وهيئات للحوكمة، وتقييمات منتظمة، وأجر يرتبط جزء منه بالأداء. ومن الطبيعي أن تراعى، عند تطبيق هذا المبدأ على مؤسسة عمومية، التزامات إضافية تتعلق باستمرارية المرفق العام، والإنصاف في النفاذ إلى خدماته، وجودة الخدمات المقدمة، والاستدامة المالية.
وعليه، فإن مقابل هذه الحرية والاستقلالية هو تحمل مسؤولية فعلية. ويتولى تقييم مستقل تحديد النتائج المحققة، والفوارق بينها وبين الأهداف، وأسباب تلك الفوارق. ويجب أن يراعي هذا التقييم الوسائل التي حصل عليها المسؤول بالفعل، والقرارات التي فرضت عليه، والأحداث الخارجة عن سيطرته. أما حين يكون القصور راجعا بوضوح إلى تسييره، فعليه أن يتحمل كامل تبعاته.
وعلى هذا الأساس، ينبغي أن يتمكن الوزير من اختيار أبرز معاونيه، وأن يحاسب على نتائج قطاعه وأن يتمتع المدير العام باستقلالية فعلية في التسيير، وأن يحاسب على أداء مؤسسته.
أما رئيس الجمهورية، الذي يحدد التوجهات الكبرى، ويختار حكومته، ويشرف على عمل السلطة التنفيذية، فيظل مسؤولا سياسيا عن البرنامج الذي يحمله وعن النتائج المحققة خلال مأموريته. ولا ينبغي أن يترتب على استبدال وزير أو تغيير حكومة إعفاء الرئيس من نصيبه من المسؤولية في حالة الإخفاق، أو إعادة الأهداف والآجال وحصيلة العمل المتراكمة إلى نقطة الصفر. فكبار المسؤولين ليسوا دروعا لوقاية غيرهم من تبعات الإخفاق، ولا أكباش فداء كما هو معهود.
والغاية هي الانتقال من نظام ينشغل أساسا بتقييد العمل اتقاء للتجاوزات، إلى حوكمة تحيط العمل بالظروف اللازمة، وتطالب في الوقت نفسه بتحقيق النتائج.
إن ترسيخ ثقافة تحقيق النتائج في مؤسساتنا، وجعلها أساسا للحوكمة في خدمة التنمية والتطور والنهوض بالبلاد، يقتضي تقليص القيود غير الضرورية، وتوسيع حرية القرار، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وربط الصلاحيات بالمساءلة والتقييم الموضوعي للأداء. ولعل هذا المنحى يشكل أحد العوامل المساعدة على تجاوز دوامة العودة إلى نقطة البداية، وتحقيق تقدم ملموس ومستدام.
دحان الطالب عثمان

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)