
لا تبدو موريتانيا اليوم أمام فرصة استثمارية واحدة، وإنما أمام منظومة متكاملة من الفرص التي تتقاطع فيها الطاقة مع الصناعة والكهرباء والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، بما يجعل من قطاع الطاقة أحد أبرز المداخل الممكنة لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للبلاد واستقطاب استثمارات أجنبية ذات قيمة مضافة.
وفي هذا السياق، يكتسب استقبال وزير الطاقة والنفط، محمد ولد خالد، لبعثة من رجال الأعمال والمستثمرين الأمريكيين في نواكشوط أهمية تتجاوز حدود اللقاء البروتوكولي، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي كانت محل نقاش، وإلى دلالته على تنامي الاهتمام الدولي بمقدرات موريتانيا وبيئتها الاستثمارية.
فالوفد الأمريكي، الذي يزور موريتانيا في إطار بعثة أعمال منظمة من طرف مجموعة Washington Insight Group بالتعاون مع الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، وجد أمامه عرضا واسعا للفرص المتاحة في قطاع يشهد تحولات متسارعة، ويملك القدرة على جذب استثمارات لا تقتصر على استخراج الموارد، وإنما تمتد إلى تطوير البنية التحتية والصناعات المرتبطة بها.
وتتمثل إحدى أهم نقاط القوة في الحالة الموريتانية في تعدد مصادر الفرص. فوجود مقدرات هيدروكربونية واعدة، إلى جانب إمكانات كبيرة في مجال الطاقات المتجددة، يتيح للمستثمرين أكثر من مدخل وأكثر من نموذج للشراكة.
وقد عكست المباحثات مع المستثمرين الأمريكيين هذا التنوع، من خلال التركيز على الأحواض الرسوبية وفرص الاستكشاف والإنتاج، وعلى تطوير الموارد الغازية والاستفادة منها ليس فقط كمصدر للطاقة، وإنما كرافعة للصناعة والتنمية الاقتصادية.
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات التي يمكن أن يشهدها الاقتصاد الموريتاني، كالانتقال التدريجي من النظر إلى الموارد الطبيعية باعتبارها منتجات قابلة للاستخراج والتصدير، إلى التعامل معها باعتبارها قاعدة لإقامة صناعات وأنشطة اقتصادية جديدة.
فالغاز، على سبيل المثال، لا يمثل مجرد مورد تصديري، بل يمكن أن يشكل مدخلا لتوفير طاقة أكثر استقرارا وأقل كلفة للصناعة، وتحفيز الاستثمارات في قطاعات تحويلية، وتعزيز إنتاج الكهرباء، وخلق سلاسل قيمة جديدة حول قطاع الطاقة.
وتكشف النقاشات التي جرت خلال اللقاء أيضا عن مجال آخر لا يقل أهمية، يتعلق بتطوير منظومة الكهرباء.
فالحاجة إلى توسيع شبكات الإنتاج والنقل والتوزيع تفتح مجالا واسعا أمام القطاع الخاص، سواء من خلال الاستثمار المباشر أو عبر نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وهذا التوجه يحمل دلالة اقتصادية مهمة، لأن تطوير الكهرباء لا يخدم قطاع الطاقة وحده، بل يشكل شرطا أساسيا لتوسيع قاعدة الإنتاج في قطاعات الصناعة والخدمات والتعدين والزراعة، فضلا عن تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
ومن ثم، فإن الاستثمار في شبكات الكهرباء يمكن أن يتحول إلى استثمار في الاقتصاد ككل، عبر توفير البنية التحتية الضرورية لقيام مشاريع جديدة وربط مناطق الإنتاج والاستهلاك بصورة أكثر كفاءة.
أما الهيدروجين الأخضر، فيمثل أحد أكثر المجالات الواعدة في الرؤية المستقبلية للاستثمار في موريتانيا.
فالموقع الجغرافي للبلاد، وما تتمتع به من موارد طبيعية ملائمة لإنتاج الطاقات المتجددة، يفتحان الباب أمام تطوير مشاريع ضخمة في هذا المجال، لكن الأهمية الحقيقية لا تكمن في إنتاج الهيدروجين وحده، وإنما في إمكانية بناء منظومة صناعية متكاملة حوله.
وتبرز هنا صناعة الأسمدة والصناعات التحويلية المرتبطة بالطاقة كأمثلة واضحة على كيفية تحويل الميزة الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مضافة.
فكلما اتجهت الاستثمارات نحو التصنيع والتحويل، اتسعت دائرة المستفيدين من الموارد، وازدادت فرص التشغيل ونقل التكنولوجيا وتطوير الخبرات المحلية، بدلا من الاقتصار على العوائد المباشرة من استخراج المواد الخام.
ويحمل حضور المستثمرين ورجال الأعمال الأمريكيين في هذا الظرف رسالة مهمة بشأن موقع موريتانيا على خريطة الاستثمار الدولي.
فالاهتمام الذي أبدته البعثة بالمقدرات الهيدروكربونية، والغاز، والكهرباء، والهيدروجين الأخضر، والأسمدة والصناعات التحويلية، يعكس تنوعا في اهتمامات المستثمرين، كما يعكس اتساع النظرة إلى الاقتصاد الموريتاني من مجرد سوق محدودة إلى فضاء يمكن أن يحتضن مشاريع إنتاجية مرتبطة بموارد ذات طلب عالمي متزايد.
وتكتسب هذه الديناميكية أهمية أكبر عندما تترافق مع تقديم صورة واضحة عن الإطار التنظيمي والمؤسسي والمشاريع القائمة، لأن المستثمر لا يبحث عن الموارد وحدها، بل يبحث أيضا عن وضوح القواعد، واستقرار البيئة القانونية، وإمكانية بناء شراكات طويلة الأمد.
وفي هذا الجانب، تبدو جهود الحكومة موجهة إلى بناء الظروف التي تسمح بتحويل الاهتمام الخارجي إلى استثمارات فعلية.
فاستعراض الإطار التنظيمي والمؤسسي أمام المستثمرين الدوليين، إلى جانب تقديم المشاريع القائمة والفرص المستقبلية، يمثل جزءا من عملية أوسع لتسهيل وصول رأس المال الأجنبي إلى القطاعات الواعدة.
كما أن الدفع باتجاه الشراكة بين القطاعين العام والخاص يعكس إدراكا لحجم الاستثمارات المطلوبة في البنية التحتية للطاقة والكهرباء، والحاجة إلى الاستفادة من قدرات القطاع الخاص وخبراته وتمويله، مع احتفاظ الدولة بدورها في التخطيط والتنظيم وحماية المصلحة العامة.
وهذا النموذج يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لاقتصاد في طور توسيع بنيته الإنتاجية، حيث تتطلب مشاريع الطاقة الكبرى استثمارات ضخمة وخبرات تقنية متخصصة وقدرات تسويقية تتجاوز في كثير من الأحيان إمكانات القطاع العام وحده.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الفرص لن تقاس بعدد المستثمرين الذين يزورون موريتانيا، وإنما بمدى القدرة على تحويل الاهتمام الاستثماري إلى مشاريع منتجة، وعلى ضمان أن تترك هذه المشاريع أثرا مستداما في الاقتصاد الوطني.
وهنا تبرز أهمية ربط الاستثمار في الطاقة بالتشغيل والتكوين ونقل التكنولوجيا وتطوير المؤسسات المحلية، وتعظيم المحتوى المحلي، وتشجيع الصناعات والخدمات التي يمكن أن تنشأ حول المشاريع الكبرى.
فموريتانيا تمتلك اليوم مزيجا استثنائيا من الموارد التقليدية والطاقات المتجددة، وما تحتاجه هو تحويل هذا التنوع إلى منظومة اقتصادية مترابطة، تجعل من النفط والغاز والكهرباء والهيدروجين الأخضر جسورا نحو التصنيع، وليس مجرد قطاعات منفصلة.
وبذلك، فإن الانفتاح على المستثمرين الأمريكيين وغيرهم ينبغي أن ينظر إليه باعتباره جزءا من استراتيجية أوسع لاستقطاب رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والأسواق، وبناء شراكات اقتصادية قادرة على مواكبة التحول الذي تشهده البلاد.
وتبدو موريتانيا أمام لحظة استثمارية مهمة تتمثل في موارد هيدروكربونية واعدة، إمكانات كبيرة في الطاقة المتجددة، آفاق للهيدروجين الأخضر، حاجة متزايدة إلى تطوير الكهرباء، وفرص في الأسمدة والصناعات التحويلية.
وإذا نجحت السياسات العمومية في ربط هذه العناصر ضمن رؤية واحدة، فإن قطاع الطاقة يمكن أن يتحول من قطاع اقتصادي واعد إلى قاطرة حقيقية لتنويع الاقتصاد الموريتاني، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز التصنيع وخلق فرص العمل، وترسيخ موقع البلاد كوجهة استثمارية إقليمية في مجالات الطاقة والصناعة الخضراء.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)