حدث وتعليق/ مركز الاستطباب الوطني.. الإدارة العامة تضع التحديث وجودة الخدمة في صميم الأولويات

في المؤسسات الصحية الكبرى، لا تقاس قيمة الإصلاح فقط بما يضاف إليها من تجهيزات أو بما ينجز داخل أسوارها من أعمال، وإنما تقاس أيضا بقدرتها على تطوير طريقة إدارتها، وتحسين آليات عملها، وترشيد مواردها، وتحويل الإدارة الرشيدة إلى خدمات يشعر المواطن بأثرها المباشر.

ومن هذا المنطلق، يبرز المسار الذي يشهده مركز الاستطباب الوطني باعتباره اتجاها نحو تحديث المؤسسة من الداخل، عبر إرساء مقاربة تضع الحوكمة والشفافية وحسن التسيير وتحسين الأداء في صدارة الأولويات، وتجعل من جودة الخدمات الصحية الغاية النهائية لكل جهد إداري.

وقد عكس الاجتماع الدوري العادي لمجلس إدارة المركز، المنعقد اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026، هذا التوجه بوضوح، حيث ناقش المجلس، برئاسة رئيسه يال زكريا الحسن، وبحضور المدير العام البرفسور شريف جدو ميني وأعضاء المجلس، عددا من الملفات المرتبطة بتسيير المؤسسة وآليات تطوير أدائها، قبل أن يصادق على جملة من القرارات ذات الصلة بتسيير المركز.

ولا تبدو أهمية هذا الاجتماع في مجرد انعقاده أو في القرارات التي صدرت عنه، وإنما في طبيعة المقاربة التي تحكم عمل المؤسسة؛ وهي مقاربة تقوم على الدراسة المستفيضة للملفات، والنقاش المؤسسي، ثم اتخاذ القرارات التي تخدم تطوير الأداء وترفع من مستوى الخدمة.

ويؤشر التركيز على الحوكمة والشفافية وترشيد استخدام الموارد على انتقال مهم في فلسفة إدارة المؤسسة الصحية، من الاكتفاء بتدبير الاحتياجات اليومية إلى العمل على بناء منظومة إدارية أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتحديات.

وفي مؤسسة بحجم وأهمية مركز الاستطباب الوطني، تصبح كفاءة الإدارة عاملا لا يقل أهمية عن توفر الموارد والتجهيزات؛ إذ إن حسن التخطيط والتنظيم وتوزيع الموارد ومتابعة الأداء يمكن أن يصنع فارقا كبيرا في مستوى الخدمات التي يتلقاها المواطن.

ومن هنا، فإن حرص الإدارة الحالية، بقيادة المدير العام شريف جدو ميني، على الدفع بالملفات المرتبطة بتطوير الأداء إلى مستوى مجلس الإدارة، يعكس أهمية البعد المؤسسي في إدارة المركز، ويؤكد أن تحسين الخدمات الصحية لا ينفصل عن إصلاح طرق التسيير وآليات اتخاذ القرار.

قد تبدو مفاهيم مثل الحوكمة والشفافية وترشيد الموارد ذات طابع إداري، لكنها في مؤسسة صحية لا ينبغي أن تبقى مفاهيم داخلية، لأن نتيجتها الطبيعية يفترض أن تصل في النهاية إلى المريض والمراجع والمرافق.

فعندما تدار الموارد بكفاءة، تتحسن قدرة المؤسسة على الاستجابة لاحتياجاتها. وعندما تصبح القرارات أكثر وضوحا وانضباطا، يتحسن الأداء. وعندما تخضع الملفات للدراسة والمتابعة، تصبح فرص معالجة الاختلالات واستثمار مكامن القوة أكبر.

ولهذا فإن الهدف الحقيقي من مسار التحديث ليس الإدارة في حد ذاتها، وإنما تحسين تجربة المواطن داخل المؤسسة الصحية، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة له، وتوفير ظروف أكثر ملاءمة للمرضى والمراجعين والمرافقين والعاملين على حد سواء.

إن الرهان الذي يفرض نفسه اليوم على المؤسسات الصحية الحديثة هو الجمع بين البعد الطبي والبعد الإداري؛ فلا يمكن لجودة الرعاية الصحية أن تبلغ مستواها المطلوب من دون إدارة قادرة على التخطيط الجيد، وحسن استغلال الإمكانات، وضبط الأولويات، ومتابعة النتائج.

وهنا تكتسب القرارات التي صادق عليها مجلس إدارة مركز الاستطباب الوطني دلالتها، باعتبارها جزءا من مسار يستهدف تعزيز الحوكمة والشفافية وترشيد الموارد وتحسين الأداء.

وهو مسار يحتاج، بطبيعة الحال، إلى الاستمرارية والتقييم والمتابعة حتى تتحول القرارات الإدارية إلى نتائج ملموسة في الميدان.

إن تحديث مركز الاستطباب الوطني لا ينبغي اختزاله في الجانب التقني أو التجهيزي، مهما كانت أهميته، بل يتعين أن يشمل أيضا الثقافة الإدارية وأساليب العمل وعلاقة المؤسسة بمرتاديها.

فالمؤسسة الصحية الحديثة هي التي تجمع بين الكفاءة والانضباط من جهة، والبعد الإنساني من جهة أخرى؛ وهي التي تدرك أن المريض لا يبحث عن العلاج فقط، وإنما يحتاج أيضا إلى الاستقبال الجيد، والمعلومة الواضحة، والتنظيم، والسرعة الممكنة في الإجراءات، والشعور بأن المؤسسة التي يقصدها تعمل من أجل خدمته.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة توجه الإدارة الحالية لمركز الاستطباب الوطني نحو تعزيز الحوكمة وترشيد الموارد وتحسين الأداء باعتباره مدخلا مهما لبناء مؤسسة أكثر كفاءة وتنظيما، وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

إن ما يميز هذا المسار هو أنه ينطلق من قاعدة بسيطة لكنها جوهرية، تفيد بأن تطوير المؤسسة الصحية يبدأ من تطوير إدارتها، وأن تطوير الإدارة لا يكتمل إلا عندما ينعكس على المواطن.

وبذلك، يصبح اجتماع مجلس الإدارة اليوم، وما سبقه وما سيليه من إجراءات وقرارات، جزءا من مسار أكبر عنوانه تحديث مركز الاستطباب الوطني، وتعزيز قدرته على أداء دوره، والارتقاء بخدماته، وترسيخ نموذج من التسيير يجعل من الحكامة الرشيدة وسيلة، ومن جودة الخدمة الصحية غاية، ومن المريض محور اهتمام المؤسسة وسبب وجودها.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

أربعاء, 07/10/2026 - 16:16