
ليس من السهل أن يودع المرء مسؤولا غادر موقعه، دون أن يستوقفه ما تركه وراءه من أثر، وما أضافه إلى المؤسسة التي تولى قيادتها، وما جسده من قيم في ممارسة المسؤولية العامة. لكن بعض التجارب تستحق أن يقال فيها كلام يتجاوز المجاملة العابرة، لأنها ارتبطت بعمل ملموس، وحضور لافت، وشخصية استطاعت أن تجمع بين كفاءة الأداء ونبل التعامل.
ومن هذا المنطلق، أجدني اليوم أمام واجب الشهادة في حق معالي الدكتور الحسين ولد مدو، وهو يغادر منصبه وزيرا للثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، بعد مرحلة حافلة بالعمل والعطاء، ترك خلالها بصمات تستحق التقدير، وأثبت أن المسؤولية حين تسند إلى صاحب المعرفة والخبرة والإرادة، يمكن أن تتحول إلى فرصة حقيقية للإنجاز وخدمة الصالح العام.
لقد أدار معالي الوزير القطاع في مرحلة شهدت حراكا على مستويات متعددة، مستندا إلى رصيد علمي وإعلامي ومهني مكنه من فهم طبيعة الملفات المطروحة، واستيعاب تطلعات الفاعلين في مجالات الثقافة والإعلام والفنون، والتعامل مع تحدياتها برؤية تجمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية. ولم يكن حضوره في الوزارة مجرد تول للمنصب، بل اقترن بعمل متواصل من أجل دفع الملفات إلى الأمام، وتفعيل أدوار المؤسسات، وتوسيع دائرة الاهتمام بالثقافة والإبداع والإعلام الوطني.
وفي تقديري، فإن من أبرز ما ميز تجربته حرصه على أن تكون الثقافة فعلا وطنيا متاحا للجميع، لا نشاطا محصورا في فضاء جغرافي بعينه، وأن يحظى التراث الوطني بما يستحقه من عناية وصون وتثمين، باعتباره جزءا أصيلا من هوية البلد وذاكرته الجماعية. كما برز اهتمامه بتعزيز حضور الفعل الثقافي والفني، وفتح المجال أمام المبادرات التي تمنح المبدعين والمثقفين فرصة أكبر للإسهام في الحياة العامة، وتؤكد أن الثقافة ليست ترفا، وإنما رافعة للوعي والتماسك الاجتماعي والتنمية.
أما في مجال الإعلام والاتصال، فقد تعامل مع الملفات المطروحة من منطلق إدراك عميق لمكانة الصحافة في بناء المجتمع ومواكبة التحولات الوطنية. وشهدت المرحلة التي أشرف فيها على القطاع تقدما في عدد من الملفات التنظيمية والمهنية، إلى جانب مواصلة معالجة قضايا ظلت تؤرق العاملين في مؤسسات الإعلام العمومي لسنوات طويلة، وفي مقدمتها ملف المتعاونين. وهي قضايا لا تقاس أهميتها بمجرد الإجراءات المتخذة بشأنها، بل بما تفتحه من آفاق لتحسين أوضاع المهنيين وتعزيز الاستقرار المؤسسي وتطوير الأداء الإعلامي.
وإلى جانب مسؤوليته القطاعية، اضطلع الدكتور الحسين ولد مدو بمهمة الناطق باسم الحكومة، وهي مسؤولية تتطلب الجمع بين الإحاطة بالملفات الحكومية، والقدرة على تبسيط السياسات العمومية، وحسن مخاطبة الرأي العام، والرد على الأسئلة والتساؤلات بلغة واضحة وحجة متماسكة.
وفي هذا الموقع، قدم أداء لافتا، مستفيدا من تكوينه الأكاديمي وخبرته الإعلامية وقدرته على التعبير والإقناع. فقد استطاع أن يجعل من حضوره في المؤتمرات الصحفية واللقاءات الإعلامية مساحة لشرح توجهات الحكومة، وتوضيح خلفيات قراراتها، والدفاع عن خياراتها وبرامجها، مع الحرص على عرض المعطيات بلغة تجمع بين الدقة والوضوح. وكان صوته، في هذا السياق، حاضرا في التعريف بجهود الحكومة ومواكبة تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، «طموحي للوطن»، بما يتضمنه من توجهات ومشاريع تستهدف تحسين ظروف المواطنين وتعزيز مسار التنمية الوطنية.
ولعل ما يستحق التنويه في تجربته أنه لم يتعامل مع مهمة النطق باسم الحكومة باعتبارها مجرد واجب بروتوكولي، أو مناسبة لترديد المواقف الرسمية، بل أظهر إدراكا لأهمية التواصل العمومي في بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين. فالكلمة الحكومية الناجحة ليست تلك التي تكتفي بعرض المواقف، وإنما التي تحسن شرحها، وتقدم حججها، وتتيح للرأي العام فهما أعمق للسياسات والقرارات. وقد ساعدته خلفيته العلمية والمهنية على أداء هذه المهمة بأسلوب اتسم بالحضور والتمكن وسلاسة العبارة.
لقد كان الحسين ولد مدو نموذجا للمسؤول الذي لا تلغيه أعباء المنصب عن واجب التواصل مع الآخرين، ولا تحجبه مسؤولياته عن الاستماع إليهم. فقد عرفت فيه شخصية تجمع بين الوقار والتواضع، وبين الثقة في الرأي والاستعداد للحوار، وبين الاعتزاز بالمعرفة واحترام أهل الاختصاص. وهي خصال تمنح العمل الإداري بعده الإنساني، وتجعل العلاقات المهنية قائمة على الاحترام المتبادل، بعيدا عن التكلف والحواجز التي كثيرا ما تفرضها المواقع الرسمية.
كما أن تقديره لأهل الثقافة والفكر والأدب والفن والإعلام يعكس فهما لطبيعة القطاع الذي تولى إدارته؛ فهذه المجالات لا تزدهر بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى الإصغاء لأهلها، وتقدير جهودهم، وتهيئة الظروف التي تسمح لطاقاتهم بالإبداع والعطاء. ومن هنا، فإن قيمة التجربة لا تكمن فقط في الملفات التي تحركت، بل كذلك في ما عززته من حضور للثقافة والإعلام في النقاش العمومي، وفي ما أتاحته من فرص للتواصل بين الإدارة والفاعلين في هذه المجالات.
واليوم، وهو يغادر منصبه، فإن أصدق ما يمكن أن يقال في حق معالي الوزير الحسين ولد مدو هو أن المسؤولية كانت بالنسبة إليه مجالا للعمل والإنجاز، لا مجرد لقب يضاف إلى المسار المهني. لقد جمع بين إدارة قطاع تتشعب مجالاته وتتنوع رهاناته، والاضطلاع بمهمة وطنية حساسة تتمثل في مخاطبة الرأي العام باسم الحكومة، ونجح في أن يمنح حضوره في الموقعين طابعا مهنيا واضحا، مستندا إلى المعرفة والخبرة والقدرة على التواصل.
ولا يعني انتهاء المهمة الوزارية انتهاء الحاجة إلى الكفاءات التي أثبتت قدرتها على العطاء، بل قد يكون الانتقال من موقع إلى آخر فرصة لتوسيع دائرة الإسهام في خدمة الوطن. ومن هذا المنطلق، فإنني أتمنى لمعالي الدكتور الحسين ولد مدو أن ينال التقدير الذي يستحقه، وأن تسند إليه مهمة أخرى تتناسب مع مؤهلاته وتجربته، ليواصل من خلالها أداءه المتميز، والإسهام في تنزيل برنامج فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وخدمة المصالح العليا للبلاد.
*- إسماعيل ولد الرباني
المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)