
يمثل إطلاق شبكتين للعمد، إحداهما معنية بملف الهجرة واللجوء، والأخرى بترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيز اللحمة الاجتماعية والسلم الأهلي، خطوة تحمل دلالات مؤسسية وتنموية مهمة، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي تتصديان لها، وارتباطها المباشر بأمن المجتمع واستقراره، وبقدرة الدولة على بناء علاقة متوازنة بين حماية مصالحها الوطنية وصون كرامة الإنسان وتعزيز قيم الانتماء المشترك.
وتبرز أهمية هذه المبادرة، التي أشرف على افتتاح ورشتها في نواكشوط الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية، المكلف باللامركزية والتنمية المحلية، يعقوب سالم فال، رفقة مفوض حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني، دحيد ولد القاسم، في كونها تنقل دور البلديات من نطاق تقديم الخدمات المحلية إلى فضاء أوسع للمساهمة في معالجة القضايا الوطنية ذات الأبعاد الأمنية والإنسانية والاجتماعية.
فالعمدة، بحكم موقعه المنتخب وصلته اليومية بالمواطنين، يمثل حلقة وصل أساسية بين الدولة والمجتمع، ويملك من المعرفة بالواقع المحلي ما يؤهله للإسهام في استباق التحديات، وتيسير التواصل بين السكان والإدارة، والمشاركة في تنفيذ السياسات العمومية على نحو يراعي خصوصيات كل منطقة واحتياجاتها.
ويكتسب إنشاء شبكة للعمد معنية بالهجرة واللجوء أهمية خاصة في ظل تعدد أبعاد هذا الملف وتشابكها، فهو لا يتعلق بالاعتبارات الأمنية وحدها، بل يمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، ويترك آثارا مباشرة على المجتمعات المحلية، خصوصا في المناطق الحدودية والمدن التي تشهد حركة متزايدة للأشخاص.
وفي هذا السياق، تكتسب المقاربة الوطنية التي تحدث عنها الوزير المنتدب أهمية من حيث توجهها نحو الانتقال من التدخلات الظرفية إلى التسيير المؤسسي المنظم، بما يسمح بتعزيز الرقابة على الحدود، وتطوير آليات التنسيق مع دول الجوار، ومواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، دون إغفال الالتزامات الإنسانية المرتبطة بحماية الأشخاص وصون حقوقهم الأساسية.
وتقدم الأرقام التي أعلنها الوزير مؤشرات على حجم الجهد التنظيمي المبذول في هذا المجال؛ إذ أشار إلى منح إقامات نظامية مجانية لنحو 136 ألف أجنبي من 85 جنسية، وفتح 29 معبرا حدوديا جديدا، ليرتفع العدد الإجمالي للمعابر إلى 82 معبرا، فضلا عن إطلاق نظام للتأشيرات ومراجعة الاتفاقيات الثنائية مع دول الجوار.
وتعكس هذه الإجراءات، وفق المعطيات المقدمة، توجها نحو بناء منظومة أكثر انتظاما لإدارة حركة الأشخاص، تقوم على وضوح المساطر وتطوير التنسيق المؤسسي، بما يساعد على التمييز بين الهجرة المنظمة والممارسات غير القانونية المرتبطة بالتهريب والاستغلال والاتجار بالبشر.
غير أن فعالية هذه المنظومة لا تتوقف على الإجراءات المركزية وحدها، بل تتطلب حضورا محليا قادرا على مواكبة تطورات الظاهرة، وفهم انعكاساتها على الخدمات العمومية والأنشطة الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية.
وهنا تحديدا تبرز الوظيفة المنتظرة لشبكة العمد، من خلال تعزيز التواصل بين البلديات والسلطات الإدارية والأمنية، وتبادل المعلومات في إطار القانون، والمساهمة في توعية السكان، وتيسير معالجة الإشكالات المحلية المرتبطة بالهجرة واللجوء.
إن إشراك المنتخبين المحليين في هذا الملف يتيح للدولة الاستفادة من المعرفة الميدانية للبلديات، ويعزز فرص بناء استجابة أكثر قربا من الواقع، بدلا من الاكتفاء بمقاربة مركزية قد لا تستوعب، بمفردها، جميع التفاصيل والخصوصيات المحلية.
ومن الجوانب اللافتة في التصور الذي عرضه الوزير المنتدب تأكيده أن المقاربة الوطنية لا تقتصر على البعد الأمني، بل تسعى إلى تحقيق التوازن بين حماية أمن البلاد ونظامها العام واحترام كرامة الأشخاص، مع إيلاء عناية خاصة للنساء والأطفال والمرضى والقصر غير المصحوبين، وضحايا الاستغلال والتهريب المحتملين.
وتحمل هذه المعادلة أهمية جوهرية؛ لأن نجاح سياسات الهجرة لا يقاس فقط بقدرتها على ضبط الحدود وتنظيم الإقامة، بل كذلك بمدى احترامها للضمانات الإنسانية، وقدرتها على التعامل مع الفئات الأكثر هشاشة بما يحفظ حقوقها وكرامتها.
وفي هذا الإطار، أشار الوزير إلى فتح مراكز للإيواء المؤقت والمجهز في نواكشوط ونواذيبو، لا تتجاوز مدة الإقامة فيها 72 ساعة، بهدف توفير الرعاية اللازمة وتنظيم التكفل بالمهاجرين.
ويمثل الجمع بين التنظيم الأمني والتكفل الإنساني أحد الاختبارات الأساسية لأي سياسة متكاملة في مجال الهجرة، وهو ما يجعل التنسيق بين مختلف المتدخلين ضرورة عملية، لا مجرد خيار إداري.
كما أن إشراك البلديات في هذا المسار يمكن أن يساعد على الحد من سوء الفهم، ومواجهة الصور النمطية، وتعزيز التواصل بين السكان والمهاجرين، بما يحد من احتمالات التوتر الاجتماعي، ويضمن ألا تتحول التحديات المرتبطة بالهجرة إلى مصدر للتمييز أو الإقصاء.
وإذا كانت شبكة الهجرة واللجوء تستهدف تعزيز قدرة المؤسسات المحلية على مواكبة ملف متعدد الأبعاد، فإن الشبكة الثانية، المعنية بثقافة المواطنة واللحمة الاجتماعية والسلم الأهلي، تتجه إلى معالجة أحد أكثر الملفات ارتباطا باستقرار الدولة ومستقبلها، من قبيل ترسيخ الشعور بالانتماء إلى وطن واحد، وتعزيز المساواة والإنصاف، وتوطيد الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
وتنبع أهمية هذه المبادرة من أن المواطنة لا تختزل في الحقوق والواجبات القانونية، على أهميتها، بل تتجسد أيضا في السلوك اليومي، واحترام القانون، وقبول التنوع، ونبذ التمييز، والاحتكام إلى المؤسسات في معالجة الخلافات، والإيمان بأن المصلحة الوطنية المشتركة تعلو على الاعتبارات الضيقة.
ومن هذا المنطلق، فإن تأسيس شبكة للعمد تعنى بهذه القيم أن يفتح المجال أمام البلديات للاضطلاع بدور أكثر فاعلية في نشر ثقافة المواطنة، من خلال الأنشطة التوعوية، واللقاءات المجتمعية، وتشجيع الحوار المحلي، وإشراك الفاعلين المدنيين والشباب والنساء في المبادرات الرامية إلى تعزيز التماسك الاجتماعي.
وتكتسب هذه الجهود أهمية إضافية عندما تنطلق من المؤسسات الأقرب إلى المواطنين؛ فالرسائل المتعلقة بالمساواة والإنصاف والوحدة الوطنية تكون أكثر تأثيرا حين تتحول إلى ممارسات ملموسة في التعامل مع السكان، وتوزيع الخدمات، والاستماع إلى مطالب الفئات المختلفة، وإتاحة فرص المشاركة في الشأن المحلي.
كما أن بناء مواطنة جامعة، تتجاوز الفوارق الاجتماعية ومظاهر التمييز، يستدعي تحويل قيم الأخوة والمساواة والإنصاف إلى مرجعيات عملية توجه أداء المؤسسات المحلية، وتدعم الثقة المتبادلة بين مكونات المجتمع.
وفي هذا السياق، فإن الإحالة إلى مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم الوحدة والديمقراطية التشاركية تبرز أهمية الجمع بين المرجعية الثقافية والدينية للمجتمع ومتطلبات المشاركة المدنية، بما يعزز التفاهم والتعاون ويكرس احترام الحقوق والواجبات المشتركة.
ولا يمكن النظر إلى السلم الأهلي باعتباره مجرد غياب للتوترات أو النزاعات، بل هو أيضا ثمرة للعدالة في المعاملة، والشعور بالإنصاف، وتكافؤ الفرص، ووجود قنوات مؤسسية تتيح للمواطنين التعبير عن انشغالاتهم والمشاركة في معالجة مشكلاتهم.
ومن هنا، فإن نجاح الشبكة الجديدة سيظل مرتبطا بقدرتها على تجاوز الخطاب العام إلى مبادرات محلية منتظمة، تقاس آثارها بمدى انتشار ثقافة الحوار، وتعزيز الثقة، والحد من مظاهر الإقصاء والتمييز.
وتكشف المبادرتان، في دلالتهما المؤسسية، عن مجال أوسع لفهم اللامركزية باعتبارها آلية لتعزيز المشاركة في إدارة الشأن العام، وليس مجرد توزيع للاختصاصات الإدارية بين المركز والبلديات.
فالتحديات المرتبطة بالهجرة واللجوء، مثلما هي الحال بالنسبة إلى المواطنة واللحمة الاجتماعية، تتجاوز قدرة مؤسسة واحدة على معالجتها بصورة منفردة، وتحتاج إلى تنسيق بين الإدارة المركزية والسلطات المحلية والأجهزة الأمنية والقطاعات الاجتماعية والفاعلين المدنيين.
ومن شأن شبكات العمد أن توفر إطارا لتبادل الخبرات والتجارب بين البلديات، وتطوير أساليب العمل المشترك، وتحديد المشكلات المتكررة، واقتراح حلول تستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية.
كما يمكن لهذه الشبكات أن تسهم في تعزيز الطابع التشاركي للسياسات العمومية، من خلال إيصال انشغالات السكان إلى الجهات المعنية، والمشاركة في حملات التوعية، ومواكبة البرامج الوطنية على المستوى المحلي.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)