رئاسة موريتانيا ليست لعبة أبواب موصدة / ذ. السالك ولد اباه

في أفق 2029، لا تكفي التوقعات السياسية وحدها لصناعة مستقبل الدولة
تتجه الأنظار، منذ التعديل الوزاري الأخير، إلى موازين القوة داخل النظام السياسي الموريتاني، وإلى ما قد تحمله السنوات المقبلة من ترتيبات وتفاهمات. ومن الطبيعي أن يثير ذلك أسئلة حول مستقبل القيادة، واستمرار المشاريع الوطنية، وشروط الانتقال السياسي الآمن. غير أن قراءة هذه التطورات تحتاج إلى قدر من التروي؛ فليس كل تغيير حكومي إعلانًا عن خليفة، ولا كل تقارب سياسي دليلًا على حسم المستقبل.
1. وهم صفارة الانطلاق نحو 2029
من الخطأ التعامل مع التعديل الوزاري الأخير باعتباره صفارة انطلاق نهائية نحو استحقاق 2029، أو افتراض أن بعض التغييرات تعني أن القرار بشأن المرحلة المقبلة قد اتُّخذ بالفعل. فالسياسة لا تُقرأ من الأسماء وحدها، بل من السياق العام، وتوازنات المؤسسات، وطبيعة التحديات الوطنية.
قد يكون التعديل إعادة ترتيب للأولويات، أو استجابة لحاجات التسيير، أو محاولة لتجديد الأداء الحكومي وتوسيع دائرة الفاعلية. أما ربطه مباشرة بخلافة سياسية محسومة، فيبقى استنتاجًا يحتاج إلى ما يسنده من وقائع واضحة.
وموريتانيا، بحكم تجربتها السياسية وتعقيدات مجتمعها، تحتاج إلى قراءة هادئة لا تستبق الأحداث، ولا تحوّل الاحتمالات إلى حقائق، ولا تجعل مستقبل الدولة موضوعًا للتكهنات وحدها.
2. الرئيس غزواني لم يسلّم مفاتيح المرحلة المقبلة
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ما يزال يمارس صلاحياته الدستورية، وأمامه استحقاقات سياسية وتنموية تتطلب استمرار العمل ومتابعة المشاريع والبرامج التي التزمت بها الدولة. ومن ثم، فإن اختزال المرحلة الحالية في البحث عن خليفة للرئيس يتجاهل مسؤوليات الحاضر، ويستبق نقاشًا لم تنضج جميع معطياته بعد.
إن من حق الموريتانيين أن يتساءلوا عن مستقبل المشاريع الاستراتيجية، وعن استدامة البرامج الاجتماعية، وعن قدرة مؤسسات الدولة على مواصلة ما تحقق وتصحيح ما يحتاج إلى مراجعة. وهذه أسئلة مشروعة لا تستهدف شخصًا، بل تتصل بحق المجتمع في معرفة اتجاه السياسات العامة وضمان استمراريتها.
أما التعديل الوزاري، مهما كانت دلالاته، فلا يكفي وحده لإثبات أن الرئيس قد حسم أمر من سيخلفه، أو أنه نقل مركز القرار إلى شخصية أخرى. فالمواقع الحكومية تتغير، والتحالفات تتبدل، لكن المسؤولية عن الحاضر تظل قائمة، ولا ينبغي أن تطغى حسابات المستقبل على واجبات اليوم.
3. رئاسة موريتانيا دونها خرط القتاد
رئاسة الجمهورية ليست منصبًا يُنال بمجرد القرب من الرئيس، أو بامتلاك شبكة من العلاقات، أو بالحصول على تزكيات من شخصيات نافذة. إنها مسؤولية وطنية مركبة، تتطلب إرادة سياسية واعية، وكفاءة في إدارة الدولة، وخبرة في فهم المجتمع، وقدرة على التعامل مع مؤسساته وتوازناته وتحدياته.
وموريتانيا ليست مجتمعًا بسيطًا يمكن تدبير شؤونه بمنطق المجموعة الواحدة أو الرؤية الأحادية؛ فهي بلد تتداخل فيه الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، وتتعدد فيه الحساسيات السياسية، ويؤثر تاريخه الديني والاجتماعي في تشكيل وعيه العام، فضلًا عن موقعه الإقليمي في محيط لا يخلو من الاضطرابات والتنافسات.
ولهذا، فإن أي تصور جاد للقيادة المقبلة ينبغي أن ينطلق من فهم عميق لهذه المعطيات، ومن القدرة على صيانة الوحدة الوطنية، واحترام حقوق المواطنين على اختلاف مكوناتهم، وتدبير التوازن بين متطلبات الدولة وخصوصيات المجتمع.
ولا تعني هذه الشروط أن القيادة حكر على فئة أو مسار بعينه؛ بل تعني أن المنصب أكبر من أن يُختزل في الطموح الشخصي أو في حسابات الدوائر الضيقة.
4. لا تكفي تزكية الأقوياء إذا غابت أهلية القيادة
للتوافقات السياسية أهميتها في بناء الاستقرار، ولثقة الشخصيات المؤثرة وزنها في الحياة العامة، لكن أيًّا من ذلك لا يغني عن الكفاءة ولا يحل محل القبول الشعبي. فالتزكية قد تفتح بابًا، لكنها لا تضمن حسن إدارة الدولة، كما أن القرب من مراكز القرار لا يشكل وحده شهادة على القدرة على تحمل أعباء الحكم.
إن الدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الوصاية الدائمة، ولا تستقيم فيها المسؤولية العامة على أساس أن شخصًا يختار شخصًا آخر ثم يُطلب من المجتمع أن يتعامل مع الاختيار باعتباره أمرًا محسومًا. فالمستقبل السياسي ينبغي أن يظل مفتوحًا أمام الكفاءات والخيارات الوطنية، وأن تُحسم الاستحقاقات وفق قواعد معلومة وإجراءات تضمن حرية الاختيار وصدقية التمثيل.
والأهم أن يكون التنافس السياسي قائمًا على البرامج والكفاءة والرؤية، لا على تصفية الحسابات أو إقصاء المخالفين. فالقائد الذي يدخل المسؤولية مثقلًا بالأحقاد، أو يجعل من الوصول إلى السلطة فرصة لمعاقبة خصومه، يعرّض التوافق الوطني للاهتزاز، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
5. موريتانيا تحتاج إلى قائد مركّب
إن القيادة التي تحتاجها موريتانيا ليست مجرد امتداد إداري لمن سبقها، ولا قطيعة شاملة مع كل ما أنجزته الدولة في المراحل السابقة. إنها قيادة تستطيع التمييز بين ما ينبغي استمراره وما يحتاج إلى تصحيح، وبين الوفاء للمصلحة العامة والارتهان للأشخاص، وبين الاستقرار المشروع والجمود الذي يعطل التطور.
وتحتاج البلاد إلى قائد يجمع بين الخبرة السياسية والإدارية، والقدرة على فهم التحولات الاجتماعية، واحترام المؤسسات، والإنصات إلى مختلف مكونات المجتمع، وإدارة الاختلاف دون تحويله إلى خصومة دائمة. كما تحتاج إلى من يدرك أن حماية الحقوق والخصوصيات ليست تنازلًا عن وحدة الدولة، بل من شروط ترسيخها.
ولا يمكن أن تُقاس أهلية القيادة بمدى رضا النخب وحدها، أو بقدرتها على جمع التأييد داخل دوائر السلطة؛ فهناك أيضًا ثقة المواطنين، وفعالية المؤسسات، وجودة الخدمات، واحترام المال العام، ومدى شعور الناس بأن الدولة تتسع لهم جميعًا.
إن مستقبل موريتانيا لا يحتاج إلى صراع استباقي حول الأسماء، بقدر ما يحتاج إلى نقاش مسؤول حول طبيعة القيادة التي تستطيع مواصلة البناء، وتصحيح الاختلالات، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
6. تجربة 2019: لماذا لا تُستنسخ الخلافة السياسية؟
تقدم تجربة الانتخابات الرئاسية لسنة 2019 درسًا مهمًا في ضرورة التمييز بين الدعم السياسي والشرعية الانتخابية. فقد دعم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ترشح محمد ولد الشيخ الغزواني في البداية، لكنه قال في تصريح نُشر يوم 7 مارس 2019: «لم أرشح الغزواني بل رشح نفسه»، مع إعلانه دعم ترشحه ودعوته القوى المساندة للنظام إلى احتضانه.
المصدر: العربي الجديد، 7 مارس 2019.
لكن مسار 2019 لم يكن مجرد انتقال بين شخصين تربطهما علاقة سياسية أو مهنية؛ فقد خاض المترشحون حملة انتخابية، واحتدم التنافس، وظهرت تسريبات مسيئة استهدفت الغزواني وأثارت جدلًا حول الجهة التي تقف وراءها، من دون أن يصح الجزم، في غياب دليل قاطع، بمسؤولية جهة بعينها عنها.
للاطلاع على جانب من الجدل آنذاك: صحيفة الوطن، 14 يونيو 2019.
كما أن قاعدة دعم الغزواني لم تقتصر على أنصار النظام السابق؛ فقد انضمت إليها قوى وشخصيات من خلفيات سياسية مختلفة، بينها أطراف كانت قد عارضت ولد عبد العزيز. وقد أُعلن فوزه في الانتخابات التي جرت يوم 22 يونيو 2019، بنسبة 52% من الأصوات المعبر عنها، وفق النتائج التي أعلنها المجلس الدستوري.
وهنا ينبغي وضع الأمور في نصابها: فالدعم الذي تلقاه المترشح من شخصيات نافذة كان عاملًا سياسيًا ضمن عوامل أخرى، لكنه لا يلغي دور الناخبين، ولا يحوّل النتيجة الانتخابية إلى مجرد تزكية شخصية. كما أن اتساع قاعدة الداعمين لا يعني إجماعًا انتخابيًا، بل يعكس قدرة المترشح على جمع تأييد متنوع في سياق تنافسي.
ثم إن الخلاف السياسي بين ولد عبد العزيز وولد الشيخ الغزواني ظهر علنًا في نهاية سنة 2019، خصوصًا حول مرجعية حزب الاتحاد من أجل الجمهورية. وهو ما يؤكد أن العلاقات السابقة، مهما بلغت متانتها، لا تضمن تطابق الرؤى بعد انتقال المسؤولية، ولا تجعل المستقبل السياسي قابلًا للاستنساخ بصورة آلية.
وليس الغرض من استحضار هذه التجربة توجيه اتهام إلى أحد، أو إسقاط الماضي على الحاضر، وإنما استخلاص درس عام: أن التوافقات السياسية قد تساعد على بدء مرحلة جديدة، لكنها لا تختصر الشرعية الشعبية، ولا تضمن وحدها استقرار العلاقة بين أطرافها، ولا تصلح وصفة جاهزة لاستحقاق انتخابي لاحق.
7. الوصول إلى السلطة ليس هو النجاح في الحكم
تُظهر التجارب السياسية أن الوصول إلى السلطة شيء، وحسن ممارستها شيء آخر. فقد ينجح المرء في بناء تحالف واسع، لكنه يواجه صعوبة في إدارة اختلافاته؛ وقد يمتلك رصيدًا من العلاقات، لكنه لا يحسن التعامل مع تعقيدات الدولة والمجتمع. لذلك لا ينبغي أن ينصب الاهتمام على سؤال: من يستطيع الوصول إلى المنصب؟ فحسب، بل على سؤال أكثر أهمية: من يستطيع تحمل مسؤولياته بكفاءة وعدل وحكمة؟
إن موريتانيا تحتاج إلى قيادة تنظر إلى الدولة بوصفها ملكًا عامًا لجميع مواطنيها، لا مجالًا لتثبيت نفوذ جماعة أو مكافأة أنصار أو إقصاء خصوم. وتحتاج إلى إدارة تحمي المال العام، وتفتح المجال أمام الكفاءات، وتتعامل مع المعارضة باعتبارها جزءًا من الحياة السياسية، لا تهديدًا دائمًا ينبغي التخلص منه.
كما أن الاستقرار لا يتحقق بإغلاق المجال العام، ولا بالتنازع المستمر حول الأشخاص، بل ببناء الثقة، وتوسيع المشاركة، واحترام الحقوق، وتطوير المؤسسات، وإيجاد قواعد واضحة لتداول المسؤولية ومحاسبة القائمين عليها.
وفي هذا الإطار، لا ينبغي اختزال الشرعية في التوافقات بين النخب، ولا في تزكيات الأشخاص، كما لا ينبغي أن يتحول احترام الشرعية إلى تسليم مطلق بنصوص دستورية قابلة للنقد والمراجعة. فالمرجعية التي تستحق الدفاع عنها هي إرادة وطنية واعية، واختيار شعبي حر، ومؤسسات قادرة على حماية الدولة وحقوق المواطنين، ضمن نظام دستوري يستمد مشروعيته من عدالته وقابليته للتطور، لا من تحصين بعض أحكامه ضد النقاش.
خاتمة
إن الحديث عن سنة 2029 ينبغي ألا يتحول إلى سباق مبكر على المناصب، ولا إلى محاولة لقراءة النيات من خلال التغييرات الحكومية وحدها. فالمستقبل لا يُحسم بالقرب من الرئيس، ولا بمجرد رضا أصحاب النفوذ، وإنما يتشكل من تفاعل الإرادة الشعبية، والكفاءة، والتوافقات الوطنية، وفاعلية المؤسسات.
وللرئيس غزواني، في المرحلة الراهنة، مسؤوليات قائمة تتعلق باستمرار العمل الحكومي، وتعزيز الثقة، ومتابعة البرامج الوطنية، وتهيئة الظروف التي تسمح بتطور سياسي مسؤول. أما الاستحقاقات المقبلة، فلها سياقها وإجراءاتها، ولا ينبغي استباقها بأحكام نهائية أو تحويلها إلى مصدر للتوتر.
إن موريتانيا أكبر من الأشخاص، وأبقى من التحالفات المؤقتة. ومصلحة الدولة تقتضي أن يظل النقاش حول مستقبلها مفتوحًا، هادئًا، وجادًا؛ نقاشًا لا يخاصم الحاضر ولا يرهن المستقبل، ولا يخلط بين النصيحة والمواجهة، أو بين الاستقرار وتعطيل حق المجتمع في التفكير والاختيار.
فالرئاسة مسؤولية وطنية، وليست امتيازًا يُورَّث بالتفاهمات؛ ومستقبل الدولة أمانة لا يجوز اختزاله في حسابات الأفراد، مهما كانت مواقعهم أو مكانتهم.

أربعاء, 14/10/2026 - 19:10