الرئيس الغزواني ..قيادة الاستقرار في زمن العواصف ورهان موريتانيا على المستقبل / إسماعيل ولد الرباني

الوئام الوطني : في عالم تتهاوى فيه حسابات قديمة، وتعيد الحروب والأزمات رسم موازين القوة والنفوذ، لم يعد استقرار الدول أمرا عابرا، بل أصبح مقياسا حقيقيا لقدرتها على الصمود وحماية مصالحها وصناعة مستقبلها. وتبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا في منطقة الساحل الإفريقي، حيث كشفت الانقلابات واضطرابات الحكم وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة عن هشاشة الدول التي تعجز عن تحصين جبهاتها الداخلية وصيانة مؤسساتها.
وفي قلب هذا المحيط المضطرب، استطاعت موريتانيا المحافظة على استقرارها الأمني والسياسي، في تجربة يبرز فيها دور الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بوصفه أحد الفاعلين الرئيسيين في إدارة هذا المسار، بالنظر إلى خبرته الأمنية والعسكرية، وخياراته في إدارة الدولة، والاهتمام الذي أولاه لحماية الاستقرار وتعزيز التماسك الوطني.
ولم يكن الاستقرار الموريتاني وليد المصادفة، ولا ثمرة موقع جغرافي محايد، بل ارتبط بخيارات سياسية وأمنية واعية، وبقيادة جعلت حماية الدولة ومؤسساتها أولوية في منطقة تتزايد فيها كلفة الاضطراب.
إن فهم الدور الذي اضطلع به الرئيس الغزواني في هذا المجال يقتضي استحضار مساره قبل توليه الرئاسة، حين تولى قيادة المؤسسة العسكرية في مرحلة كانت فيها التهديدات الإرهابية تحديا حقيقيا لدول الساحل. وقد أسهمت تلك التجربة في تكوين رؤية أمنية تدرك أهمية الاستباق والجاهزية والتنسيق، وتربط حماية الحدود بضرورة الحفاظ على تماسك الدولة.
ومع وصوله إلى الرئاسة، أصبحت مسؤولية الاستقرار أوسع من نطاقها العسكري، لتشمل إدارة التوازنات السياسية، وتعزيز حضور المؤسسات، ومواكبة التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تؤثر في مناعة الدولة.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في تقييم قيادته، إذ المطلوب في محيط مضطرب ليس مجرد التصدي للتهديدات عند ظهورها، بل منع تحولها إلى أزمات وطنية شاملة، والمحافظة على قدرة الدولة على أداء وظائفها، وحماية انتظام مؤسساتها، وتجنب الانزلاق إلى مسارات يصعب الخروج منها.
وقد أظهرت تجارب عدد من دول المنطقة أن انهيار الثقة بين مكونات المجتمع، أو تعطل المؤسسات، أو اتساع الانقسامات السياسية، يمكن أن يهيئ الظروف لتفاقم الأزمات الأمنية. ومن هذا المنطلق، تكتسب الجهود التي بذلتها الرئاسة في تهدئة المناخ السياسي وفتح قنوات الحوار وتعزيز التوافق الوطني أهمية تتجاوز بعدها السياسي المباشر، لتصبح جزءا من مقومات الأمن والاستقرار.
لقد فرضت التحولات الإقليمية على موريتانيا معادلة دقيقة، حققت حماية الأمن الوطني من دون الانعزال عن محيطها، وتعزيز التعاون الدولي من دون التفريط في استقلالية القرار، والمحافظة على الاستقرار مع الاستجابة للتطلعات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.
وفي إدارة هذه المعادلة، برز توجه الرئيس الغزواني نحو الجمع بين المقاربة الأمنية والاهتمام بالبعد الاجتماعي، إدراكا منه بأن الدولة لا تستطيع ضمان استقرارها على المدى الطويل إذا بقيت الفئات الهشة بعيدة عن ثمار التنمية، أو ظلت الخدمات الأساسية وفرص العمل دون مستوى التطلعات.
ومن هنا تكتسب برامج الدعم الاجتماعي ومساندة الأسر محدودة الدخل وتوسيع النفاذ إلى الخدمات الأساسية أهمية خاصة؛ فهي، إلى جانب أثرها المعيشي، تسهم في تعزيز الصلة بين المواطن والدولة، وتدعم الشعور بالانتماء إلى مشروع وطني مشترك.
ولا يعني ذلك أن التحديات الاجتماعية والاقتصادية قد حُسمت، أو أن نتائج السياسات العمومية بلغت المستوى المأمول في جميع المجالات. لكن أهمية التوجه تكمن في إدراك أن الأمن والتنمية ليسا مسارين متنافسين، بل ركيزتان متكاملتان؛ إذ يحمي الأمن فرص التنمية، بينما تمنح التنمية الاستقرار عمقه الاجتماعي وقدرته على الاستمرار.
وبهذا المعنى، فإن أبرز ما يميز الرهان الموريتاني هو السعي إلى حماية الدولة من مخاطر الاضطراب، بالتوازي مع توسيع دورها الاجتماعي والتنموي، وهي معادلة تزداد أهميتها كلما اشتدت الأزمات في المحيط الإقليمي.
ولم تعد موريتانيا في الحسابات الدولية مجرد دولة تقع على تخوم المغرب العربي وغرب إفريقيا، بل أصبحت بحكم موقعها واستقرارها طرفا مهما في معادلات أمن الساحل والتعاون الإقليمي.
وفي هذا السياق، أسهمت القيادة الموريتانية في تعزيز صورة البلاد بوصفها دولة قادرة على المحافظة على مؤسساتها وإدارة علاقاتها الخارجية في بيئة شديدة التعقيد. كما أن الخبرة الأمنية المتراكمة، واستمرار التعاون مع الشركاء، يمنحان موريتانيا إمكانات مهمة للمساهمة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وتبرز هنا أهمية الدور الرئاسي في توجيه السياسة الخارجية نحو التوازن وتعدد الشراكات، بما يتيح للبلاد الاستفادة من التعاون الدولي مع الحفاظ على مصالحها الوطنية.
فالقيمة الحقيقية لأي شراكة تكمن قدرتها على توفير الخبرات والتقنيات والاستثمارات، وتعزيز القدرات الوطنية، وتوسيع فرص التنمية. ولذلك فإن المكانة التي اكتسبتها موريتانيا بفعل استقرارها ينبغي أن تتحول إلى مكاسب عملية تعزز استقلالها الاقتصادي وترفع قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
لقد دخلت موريتانيا مرحلة اقتصادية واعدة مع تطور قطاع الغاز وتنامي الاهتمام بإمكانات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. وفي عالم تتزايد فيه المخاوف بشأن أمن الإمدادات، تكتسب هذه الموارد قيمة استراتيجية قد تعزز حضور البلاد في الأسواق والشراكات الدولية.
غير أن وجود الثروة لا يكفي لضمان الازدهار؛ فالتجارب الدولية تظهر أن النجاح في استثمار الموارد الطبيعية يرتبط بقدرة القيادة على وضع رؤية واضحة، وتوفير بيئة مستقرة، وتعزيز الشفافية، وضمان توجيه العائدات نحو الأولويات الوطنية.
ومن هنا تتضاعف مسؤولية القيادة السياسية في المرحلة المقبلة. فالمطلوب ليس مجرد زيادة الإنتاج أو جذب المستثمرين، بل بناء اقتصاد يستفيد من موارده، ويوفر فرص العمل للشباب، ويطور الكفاءات الوطنية، ويحسن الخدمات، ويقلل الاعتماد المفرط على القطاعات الاستخراجية.
ويمنح الاستقرار الذي حافظت عليه البلاد خلال السنوات الأخيرة قاعدة مهمة لتحقيق هذه الأهداف. لكن تحويل الفرصة إلى إنجاز مستدام يظل رهينا بجودة المؤسسات، وفعالية الإدارة، والرقابة على المال العام، وحسن اختيار الأولويات.
وفي هذا المجال، سيكون نجاح المرحلة المقبلة مرتبطا بقدرة الدولة، تحت قيادة الرئيس الغزواني، على الانتقال من حماية الاستقرار إلى تعظيم عوائده التنموية، بحيث يشعر المواطن بأن الطمأنينة التي ينعم بها ليست مجرد مكسب أمني، بل مدخل لتحسين ظروف حياته وتوسيع آفاق مستقبله.
إن الحديث عن دور الرئيس الغزواني في تعزيز الاستقرار يفتح المجال أمام نقاش أوسع بشأن استمرارية السياسات الوطنية، خاصة في مرحلة تتقاطع فيها التحولات الأمنية مع الفرص الاقتصادية الكبرى.
ومن الطبيعي أن يرى أنصار الرئيس في تجربته أساسا يمكن البناء عليه لاستكمال المشاريع وتعزيز المكتسبات.
إن قراءة التجربة الموريتانية في ضوء ما يجري في الساحل الإفريقي تبرز أهمية الدور الذي اضطلع به الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في المحافظة على الاستقرار وتوجيه الاهتمام إلى حماية المؤسسات وتعزيز التماسك الوطني.
ففي منطقة شهدت دولها اضطرابات سياسية وأمنية عميقة، تمثل قدرة موريتانيا على مواصلة مسارها المؤسسي رصيدا مهما، ارتبط بجملة من الخيارات والجهود التي ينبغي تقييمها في ضوء نتائجها العملية ومدى انعكاسها على أمن المواطنين وتنميتهم.
لقد منح الاستقرار موريتانيا فرصة ثمينة في زمن العواصف، وكان للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني دور بارز في إدارة هذه المرحلة. أما الرهان الأكبر، فهو أن تتحول هذه الفرصة إلى مشروع وطني مستدام، تتعزز فيه قوة الدولة، وتتسع فيه مكاسب المواطنين، وتترسخ فيه المؤسسات بوصفها الضمانة الحقيقية لمستقبل البلاد.

 

إسماعيل ولد الرباني

 المدير الناشر للوئام الوطني 

أحد, 18/10/2026 - 13:54