
يتزايد الاهتمامُ الغربي بشنقيط، الاسم التَّاريخي لموريتانيا قبل قيام الدَّولة الحديثة، وهي إحدى دول اتِّحاد المغرب العربي الخمس، ومن دول غرب إفريقيا ومنطقة السَّاحل. وقد حُظِيَتْ زيارة وزير الخارجيَّة الألماني إلى موريتانيا في 20 يوليو/تموز 2026 باهتمام إعلامي غربي واسع، بعدما سبقَتْها زيارة رئيس الحكومة الإسبانيَّة بيدرو سانشيز، مرفوقاً بممثلي المفوضيَّة الأوروبِّيَّة، في 16 يوليو/تموز 2025.
وتتمتعُ موريتانيا باستقرار نسبي مقارنة بدولِ المنطقة، فضلاً عن موقعها الجغرافي المهم وإمكاناتها الاقتصاديَّة والطَّاقية والأمنية والجيوسياسيَّة، وهو ما دفع وسائل إعلام ألمانيَّة إلى تقديمِها بوصفِها شريكاً مهماً في منطقة السَّاحل الإفريقي.
ثروات موريتانيا تجذب الاتِّفاقيات والاستثمارات
تسعى ألمانيا والاتِّحاد الأوروبّي إلى توسيع التَّعاون الاقتصادي مع موريتانيا، من خلالِ خلقِ فرصٍ متبادلةٍ واستثمار إمكانات لم تُسْتَغَلْ بالشَّكل الكافي حتَّى الآن. وقد تعزِّز هذا التَّوجه مع اكتشاف حقول الغاز في المياه الأطلسيَّة، ومن أبرزها حقل السَّلحفاة آحميم الكبير، ما جعل موريتانيا بلداً استراتيجيَّاً واعداً في إطار مساعي أوروبّا لتنويع مصادر الطَّاقة وتقليل اعتمادها على الغاز الرُّوسي.
وقد ضخت استثمارات بملياراتِ الدُّولارات في قطاع الغاز، إلى جانب مشاريع الهيدروجين الأخضر الّتي حُظِيَتْ باتِّفاقيَّات مع جهات ألمانيَّة. وتتميز موريتانيا بتنوُّع مصادرِ الطَّاقة لديها، إذ تجمع بين الطَّاقة التَّقليديَّة والطَّاقات المتجدِّدة الواعدة.
ومن أبرز المشاريع المطروحة مشروع "أمان"، الّذي تطوره شركة CWP Global في مجال الهيدروجين الأخضر، بهدف إنتاج كميات كبيرة منه ومن الأمونيا الخضراء.
وفي هذا السِّياق، خصَّصَتِ الحكومة الموريتانيَّة ميزانيَّة تُقَدَّرُ بنحو 2.4 مليار دولار لتأهيل محطَّات توليد الكهرباء وتطويرها، وتحديث خطوط النَّقل، وتوسيع شبكات الكهرباء في المناطق الرِّيفيَّة.
ويمثّل اكتشاف النَّفط والغاز الطَّبيعي تحوُّلاً مهمَّاً في الاقتصاد وقطاع الطَّاقة الموريتاني، في ظلِّ ما تمتلكه البلاد من احتياطيات وإمكانات واعدة، إلى جانب ثروتها السَّمكيَّة الهائلة على ساحل المحيط الأطلسي.
وفي تصريح خاص لوكالة فرات للأنباء (ANF)، قال النَّا شط الحقوقي البارز والأمين العام لمنتدى حماية المستهلك الموريتاني الخليل ولد خيري، إنَّ بلاده تمتلك فرصاً كبيرةً لتحقيق التَّنميَّة، موضحاً أنَّ وتيرةَ الاستثمار لا تزال بطيئة نسبياً، رغم الفرص الواسعة المتاحة أمام المستثمرين.
وأضاف أنَّ موريتانيا بلدٌ واعدٌ، لم تُسْتَغَلْ إمكاناته الاقتصاديَّة بالكامل، ولا سيَّما في ظلِّ محدوديَّة المصانع والمنشآت الصِّناعيَّة الكبرى، رغم غناه بالموارد الطَّبيعيَّة والمعادن ومصادر الطَّاقة الشَّمسيَّة والرِّياح، فضلاً عن إمكانات الاقتصاد الأخضر والطَّاقة النَّظيفة الّتي تُحْظَى باهتمام متزايد في الدَّول الغربيَّة.
لا أمن لأوروبِّاً من دون أمن الدَّول المجاورة والقريبة
يمثل الملفان الحدودي والأمني هاجساً أساسيَّاً لدول الاتِّحاد الأوروبّي، الّتي تنظر إلى موريتانيا باعتبارها شريكاً مهمَّاً في الحدِّ من تدفقات الهجرة غير النِّظاميَّة نحو جزر الكناري وإسبانيا. وقد أشارت تصريحات إسبانيَّة إلى أنَّ 83% من القوارب الّتي تمكنَتْ من الوصول إلى البلاد انطلقَتْ من موريتانيا.
وفي هذا الإطار، طُرِحَتْ برامج تعاون مع حلف النَّاتو لتطوير القدرات الدِّفاعيَّة للجيش الموريتاني، من خلال دعم القوات الخاصة وأجهزة الاستخبارات والأمن البحري، وتعزيز القدرة على مواجهة الجماعات المسلحة العابرة للحدود. كما تشمل أوجه التَّعاون دعم المراقبة السَّاحليَّة والحدوديَّة ومنع تسلّل الجماعات الإرهابيَّة.
وأكَّدَ الخليل ولد خيري أهمِّيَّة الموقع الأطلسي لموريتانيا وقربها الجغرافي من جزر الكناري، الّتي يمكن الوصول إليها في وقتٍ قصيرٍ بحراً، وهو ما يجعل ملف الهجرة غير النِّظاميَّة أحد أبرز التَّحدِّيات الأمنية المشتركة بين موريتانيا والدَّول الأوروبِّيَّة.
وأوضح أنَّ موريتانيا اضطلعت خلال السَّنوات الأخيرة بدور مهم في إدارة ملف الهجرة، باعتبارها منطقة عبور للمهاجرين المتجهين نحو أوروبّا، مع تزايد تدفقات المهاجرين من دول إفريقية مختلفة.
كما أشار إلى أنَّ الأوضاع في مالي، ولا سيَّما عقب الانقلاب العسكري وتولّي المجلس العسكري السُّلطة، انعكست على موريتانيا، في ظلِّ حالة عدم الاستقرار الّتي تشهدها البلاد المجاورة. وتزداد أهمِّيَّة العلاقات بين البلدين بالنَّظر إلى اعتماد مالي على الموانئ الموريتانيَّة في جزء من تجارتها الخارجيَّة، كونها دولة غير ساحليَّة.
التَّنافس الجيوسياسي الأوروبّي مع روسيا والصَّين في إفريقيا
يتزايد القلق الغربي من تنامي النَّفوذ الرُّوسي والصِّيني في دول السَّاحل الإفريقي، سواء عبر التَّعاون العسكري المباشر أو من خلال الاستثمارات الاقتصاديَّة والمشاريع الكبرى.
وفي مواجهة هذه التَّحوُّلات، تسعى الدَّول الغربية إلى تعزيز علاقاتها مع نواكشوط، بما يضمن استمرار حضورها في منطقة استراتيجيَّة تتزايد أهمِّيَّتها بسبب مواردها الطَّبيعيَّة وموقعها الجغرافي وممراتها البحريَّة.
وتعمل الصِّين على توسيع نفوذها الاقتصادي في إفريقيا من خلال الشَّركات الكبرى والاستثمارات الضَّخمة في قطاعات التَّنقيب عن النَّفط والمعادن والمشاريع الإنشائيَّة. أما روسيا، فتعزِّز حضورها العسكري والأمني عبر اتِّفاقيات التَّعاون، والشَّبكات اللّوجستيَّة، وتوسيع أنشطة الفيلق الإفريقي الّذي خلف مجموعة فاغنر في عدد من العمليَّات والمواقع.
ويبرز الحضور الرُّوسي في دول مثل ليبيا ومالي وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى، إلى جانب مساعٍ ومشاريع للتَّوسُّع في مناطق إفريقيَّة أخرى. كما تقدِّم موسكو دعماً عسكريَّاً واقتصاديَّاً لبعض الحكومات في منطقة السَّاحل، بما في ذلك إمدادات الأسلحة والحبوب.
وفي المقابل، اتَّجهت مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى تأسيس تحالف إقليمي يسعى إلى تعزيز الدِّفاع المشترك والتَّعاون الاقتصادي، في ظلِّ تراجع علاقاتها التَّقليديَّة مع فرنسا وبعض الدَّول الغربية. وتسعى هذه الدَّول إلى تنويع شراكاتها الدَّوليَّة وتوسيع علاقاتها مع روسيا والصِّين وتركيا وإيران، بما يعكس تحوُّلاً في موازين التَّحالفات داخل القارة الإفريقيَّة.
وتدفع هذه التَّطوُّرات الدُّول الأوروبِّيَّة إلى تكثيف تحركاتها الدُّبلوماسيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة في منطقة السَّاحل، في محاولة للحفاظ على نفوذها ومواجهة المنافسة الدَّوليَّة المتصاعدة.
موريتانيا في قلب التَّنافس الدَّولي
لا يقتصر التَّنافس الرُّوسي الأوروبّي على الحرب في أوكرانيا، بل يمتدُّ إلى مناطق أخرى تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجيَّة، ولا سيَّما أسواق الطَّاقة وممرات تصدير النَّفط والغاز والموانئ والمواقع ذات الأهمِّيَّة العسكريَّة واللُّوجستيَّة.
وفي هذا السِّياق، تكتسب موريتانيا أهمِّيَّة متزايدة بالنَّسبة إلى أوروبّا، بفضل مواردها الطَّبيعيَّة وإمكاناتها في مجال الطَّاقة المتجدِّدة، وموقعها على المحيط الأطلسي، ودورها المحتمل في ملفات الأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي.
وبين رهانات الطَّاقة ومُتطلبات الأمن ومنافسة القوى الدَّوليَّة، تسعى الدَّول الأوروبِّيَّة إلى استقطاب موريتانيا وتعزيز الشَّراكة معها.
فهل تنجح أوروبّا في ترسيخ موقعها كشريك استراتيجي لموريتانيا، أم ستدفع المنافسة الدَّوليَّة نواكشوط إلى توسيع خياراتها وتنويع تحالفاتها؟

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)