
ليس من الحكمة أن نقيس مستقبل الأوطان بعدد المأموريات فقط، كما أنه ليس من الإنصاف أن ننظر إلى الدستور باعتباره غاية في حد ذاته، بمعزل عن الغاية التي وُجدت من أجلها الدولة والقوانين والمؤسسات، وهي حماية المصلحة العليا للوطن وخدمة المواطن وضمان استقرار البلاد واستمرار مسارها نحو التنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى مأمورية ثالثة لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليست، في نظري، دعوة إلى شخص بقدر ما هي دعوة إلى استمرار مشروع بدأ تتضح معالمه، وإلى عدم قطع مسار البناء قبل أن تكتمل مراحله.
لقد عانت موريتانيا خلال عقود من مشكلة لا تكمن دائماً في غياب المشاريع، وإنما في طريقة إعدادها وتنفيذها واستدامتها.
فكم من مشروع أُنجز في سباق مع الزمن، وكم من منشأة كان الهدف فيها الوصول سريعاً إلى لحظة التدشين والتصوير، دون أن تكون الدراسات الفنية والجدوى الاقتصادية والصيانة المستقبلية قد أخذت حقها من الوقت والاهتمام.
ولعل الطرق التي صرفت عليها مليارات الأوقية ثم احتاج بعضها إلى إعادة التأهيل، والمنشآت الصحية والإدارية التي ظهرت فيها عيوب لم يكن يفترض أن تظهر بعد فترة قصيرة، وبعض مشاريع الإنارة والبنية التحتية التي واجهت أعطاباً وأضراراً، كلها أمثلة تجعلنا نتساءل: هل كنا نبني من أجل المستقبل، أم كنا في بعض الأحيان نبني من أجل لحظة التدشين؟
إن إصلاح هذا النوع من الاختلالات لا يتم في سنة أو سنتين، لأنه لا يتعلق بإصلاح طريق أو بناء مستشفى فقط، وإنما يتعلق بتغيير ثقافة الدولة في التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم.
وهنا تكمن أهمية الاستمرارية.
فالدولة التي تريد أن تبني بشكل صحيح تحتاج إلى وقت حتى تنتقل من مرحلة معالجة أخطاء الماضي إلى مرحلة وضع قواعد جديدة تمنع تكرارها.
وقد لاحظنا خلال السنوات الأخيرة مراجعة متواصلة لعدد من القوانين والنظم، كلما ظهرت الحاجة إلى جعلها أكثر ملاءمة للواقع وأكثر قدرة على خدمة الدولة والمواطن. وهذه المراجعة، وإن كانت ضرورية، تكشف في الوقت نفسه حجم التراكم الذي خلفته مراحل سابقة من التشريع والإدارة.
فليس المطلوب أن يكون القانون صالحاً للحظة التي صدر فيها فقط، بل أن يكون قادراً على خدمة المواطن والدولة لسنوات طويلة، وأن يستشرف حاجات الأجيال القادمة.
الأمن أول شروط التنمية
ولا يمكن الحديث عن التنمية دون الحديث عن الأمن والاستقرار.
فالمستثمر لا يستثمر في بلد مضطرب، والمشروع التنموي لا يزدهر في بيئة غير مستقرة، والمواطن لا يستطيع أن ينعم بالخدمات إذا كان أمنه مهدداً.
وفي هذا المجال، يصعب تجاهل ما تحقق خلال السنوات الأخيرة في مجال ضبط الحدود، ومكافحة الجريمة المنظمة وشبكات تهريب المهاجرين، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والإدارية، وتطوير منظومة التعامل مع الهجرة غير النظامية.
فقد أعلنت السلطات خلال 2024 عن إحباط عشرات الرحلات السرية انطلاقاً من شواطئ نواكشوط ونواذيبو، وتفكيك عشرات شبكات التهريب، كما تم خلال الربع الأول من 2025 تفكيك شبكات إضافية وتوقيف متهمين في قضايا تهريب مهاجرين.
كما شهدت المنظومة القانونية والإدارية الخاصة بالهجرة تحديثات مهمة، من بينها تعديل القانون المتعلق بنظام الهجرة، وتطوير إجراءات العبور، وإطلاق التأشيرة الإلكترونية، وتوسيع عدد المعابر الرسمية، إلى جانب تسوية الوضعية القانونية لعشرات الآلاف من الأجانب الموجودين في البلاد.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الأمني، بل شمل أيضاً إنشاء مراكز للإيواء والاستقبال والتعامل مع المهاجرين في ظروف تراعي الجوانب الإنسانية، إلى جانب استخدام وسائل تقنية للتحقق من الهوية والوضعية القانونية.
وهذه ليست ملفات هامشية.
إنها ملفات كانت قبل سنوات تبدو أكبر من قدرة بلد محدود الموارد، خصوصاً في ظل موقع موريتانيا الجغرافي وحدودها الشاسعة ومحيطها الإقليمي المضطرب.
واليوم أصبحت موريتانيا طرفاً فاعلاً في إدارة هذه الملفات، مع اعتراف شركاء دوليين بأهمية جهودها في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية.
لماذا نبدأ من جديد؟
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: ماذا لو تغير الرئيس؟
بل السؤال الأهم هو:
ماذا سيحدث لمسار البناء الذي بدأ إذا تغيرت الرؤية قبل أن تكتمل؟
لقد دفعت موريتانيا ثمناً كبيراً نتيجة انقطاع المشاريع والسياسات وتغيير الأولويات من مرحلة إلى أخرى.
نحن لا نحتاج إلى دولة تبدأ من الصفر كل خمس سنوات.
نحتاج إلى دولة تتراكم فيها الخبرة، وتتراكم فيها المشاريع، وتتراكم فيها الإصلاحات، ويكمل اللاحق ما بدأه السابق بدلاً من أن يهدمه ليضع مشروعاً جديداً يحمل اسماً جديداً.
إن التنمية الحقيقية ليست صورة مع مجسم.
وليست حفلاً لتدشين مشروع.
وليست حجراً يوضع فوق حجر ثم تنتهي المسؤولية.
التنمية هي أن يكون المشروع صالحاً بعد عشر سنوات، وأن يكون القانون الذي يحكمه قادراً على الاستمرار، وأن تكون المؤسسة التي تديره أقوى من الأشخاص الذين تعاقبوا عليها.
وهذا النوع من البناء يحتاج إلى نفس طويل.
مأمورية ثالثة… لماذا الآن؟
من هنا، أرى أن مطالبة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بمأمورية ثالثة ينبغي أن تُطرح باعتبارها مسألة استمرارية وطنية، لا باعتبارها مسألة أشخاص.
فإذا كانت البلاد قد قطعتمأمورية ثالثة لغزواني… حين تصبح استمرارية البناء مصلحة وطنية
ليس من الحكمة أن نقيس مستقبل الأوطان بعدد المأموريات فقط، كما أنه ليس من الإنصاف أن ننظر إلى الدستور باعتباره غاية في حد ذاته، بمعزل عن الغاية التي وُجدت من أجلها الدولة والقوانين والمؤسسات، وهي حماية المصلحة العليا للوطن وخدمة المواطن وضمان استقرار البلاد واستمرار مسارها نحو التنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى مأمورية ثالثة لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليست، في نظري، دعوة إلى شخص بقدر ما هي دعوة إلى استمرار مشروع بدأ تتضح معالمه، وإلى عدم قطع مسار البناء قبل أن تكتمل مراحله.
لقد عانت موريتانيا خلال عقود من مشكلة لا تكمن دائماً في غياب المشاريع، وإنما في طريقة إعدادها وتنفيذها واستدامتها.
فكم من مشروع أُنجز في سباق مع الزمن، وكم من منشأة كان الهدف فيها الوصول سريعاً إلى لحظة التدشين والتصوير، دون أن تكون الدراسات الفنية والجدوى الاقتصادية والصيانة المستقبلية قد أخذت حقها من الوقت والاهتمام.
ولعل الطرق التي صرفت عليها مليارات الأوقية ثم احتاج بعضها إلى إعادة التأهيل، والمنشآت الصحية والإدارية التي ظهرت فيها عيوب لم يكن يفترض أن تظهر بعد فترة قصيرة، وبعض مشاريع الإنارة والبنية التحتية التي واجهت أعطاباً وأضراراً، كلها أمثلة تجعلنا نتساءل: هل كنا نبني من أجل المستقبل، أم كنا في بعض الأحيان نبني من أجل لحظة التدشين؟
إن إصلاح هذا النوع من الاختلالات لا يتم في سنة أو سنتين، لأنه لا يتعلق بإصلاح طريق أو بناء مستشفى فقط، وإنما يتعلق بتغيير ثقافة الدولة في التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم.
وهنا تكمن أهمية الاستمرارية.
فالدولة التي تريد أن تبني بشكل صحيح تحتاج إلى وقت حتى تنتقل من مرحلة معالجة أخطاء الماضي إلى مرحلة وضع قواعد جديدة تمنع تكرارها.
وقد لاحظنا خلال السنوات الأخيرة مراجعة متواصلة لعدد من القوانين والنظم، كلما ظهرت الحاجة إلى جعلها أكثر ملاءمة للواقع وأكثر قدرة على خدمة الدولة والمواطن. وهذه المراجعة، وإن كانت ضرورية، تكشف في الوقت نفسه حجم التراكم الذي خلفته مراحل سابقة من التشريع والإدارة.
فليس المطلوب أن يكون القانون صالحاً للحظة التي صدر فيها فقط، بل أن يكون قادراً على خدمة المواطن والدولة لسنوات طويلة، وأن يستشرف حاجات الأجيال القادمة.
الأمن أول شروط التنمية
ولا يمكن الحديث عن التنمية دون الحديث عن الأمن والاستقرار.
فالمستثمر لا يستثمر في بلد مضطرب، والمشروع التنموي لا يزدهر في بيئة غير مستقرة، والمواطن لا يستطيع أن ينعم بالخدمات إذا كان أمنه مهدداً.
وفي هذا المجال، يصعب تجاهل ما تحقق خلال السنوات الأخيرة في مجال ضبط الحدود، ومكافحة الجريمة المنظمة وشبكات تهريب المهاجرين، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والإدارية، وتطوير منظومة التعامل مع الهجرة غير النظامية.
فقد أعلنت السلطات خلال 2024 عن إحباط عشرات الرحلات السرية انطلاقاً من شواطئ نواكشوط ونواذيبو، وتفكيك عشرات شبكات التهريب، كما تم خلال الربع الأول من 2025 تفكيك شبكات إضافية وتوقيف متهمين في قضايا تهريب مهاجرين.
كما شهدت المنظومة القانونية والإدارية الخاصة بالهجرة تحديثات مهمة، من بينها تعديل القانون المتعلق بنظام الهجرة، وتطوير إجراءات العبور، وإطلاق التأشيرة الإلكترونية، وتوسيع عدد المعابر الرسمية، إلى جانب تسوية الوضعية القانونية لعشرات الآلاف من الأجانب الموجودين في البلاد.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الأمني، بل شمل أيضاً إنشاء مراكز للإيواء والاستقبال والتعامل مع المهاجرين في ظروف تراعي الجوانب الإنسانية، إلى جانب استخدام وسائل تقنية للتحقق من الهوية والوضعية القانونية.
وهذه ليست ملفات هامشية.
إنها ملفات كانت قبل سنوات تبدو أكبر من قدرة بلد محدود الموارد، خصوصاً في ظل موقع موريتانيا الجغرافي وحدودها الشاسعة ومحيطها الإقليمي المضطرب.
واليوم أصبحت موريتانيا طرفاً فاعلاً في إدارة هذه الملفات، مع اعتراف شركاء دوليين بأهمية جهودها في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية.
لماذا نبدأ من جديد؟
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: ماذا لو تغير الرئيس؟
بل السؤال الأهم هو:
ماذا سيحدث لمسار البناء الذي بدأ إذا تغيرت الرؤية قبل أن تكتمل؟
لقد دفعت موريتانيا ثمناً كبيراً نتيجة انقطاع المشاريع والسياسات وتغيير الأولويات من مرحلة إلى أخرى.
نحن لا نحتاج إلى دولة تبدأ من الصفر كل خمس سنوات.
نحتاج إلى دولة تتراكم فيها الخبرة، وتتراكم فيها المشاريع، وتتراكم فيها الإصلاحات، ويكمل اللاحق ما بدأه السابق بدلاً من أن يهدمه ليضع مشروعاً جديداً يحمل اسماً جديداً.
إن التنمية الحقيقية ليست صورة مع مجسم.
وليست حفلاً لتدشين مشروع.
وليست حجراً يوضع فوق حجر ثم تنتهي المسؤولية.
التنمية هي أن يكون المشروع صالحاً بعد عشر سنوات، وأن يكون القانون الذي يحكمه قادراً على الاستمرار، وأن تكون المؤسسة التي تديره أقوى من الأشخاص الذين تعاقبوا عليها.
وهذا النوع من البناء يحتاج إلى نفس طويل.
مأمورية ثالثة… لماذا الآن؟
من هنا، أرى أن مطالبة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بمأمورية ثالثة ينبغي أن تُطرح باعتبارها مسألة استمرارية وطنية، لا باعتبارها مسألة أشخاص.
فإذا كانت البلاد قد قطعت أشواطاً في الأمن والاستقرار وضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، وإذا بدأت مؤسسات الدولة تراجع قوانينها وتعيد ترتيب أدواتها، وإذا بدأت ثقافة التخطيط والمتابعة والتقييم تأخذ مساحة أكبر، فلماذا نُصر على قطع هذا المسار لمجرد أن الزمن السياسي وصل إلى نهايته؟
أليس من الممكن أن يكون الأصل هو أن نستفيد من المرحلة التي تم فيها بناء قدر من الاستقرار، حتى ننتقل به إلى مرحلة أكثر عمقاً في التنمية؟
إن الاستقرار ليس غاية في حد ذاته، لكنه شرط للانطلاق.
والأمن ليس مشروعاً منفصلاً عن التنمية، بل هو الأرضية التي تقف عليها التنمية.
والقانون ليس نصاً مقدساً بذاته، بل وسيلة لتنظيم حياة الناس وتحقيق العدالة والمصلحة العامة.
الدستور والمصلحة العليا
أما الدستور، فهو المرجعية التي تنظم ممارسة السلطة وتحدد قواعد الدولة، واحترامه أمر لا خلاف عليه.
لكن النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يفتح بهدوء ومسؤولية هو: هل النصوص الدستورية جامدة إلى درجة تمنع الدولة من تطوير نظامها السياسي عندما تقتضي المصلحة العليا ذلك؟
لقد عرفت كل الدول تقريباً مراحل من مراجعة دساتيرها وقوانينها عندما تغيرت الظروف وتطورت حاجات المجتمع.
والقول بأن الدستور يمكن تعديله وفق الآليات القانونية لا يعني إلغاء الدستور، وإنما يعني ممارسة حق دستوري في تطويره.
أما الثوابت التي لا ينبغي أن تكون محل عبث أو مزايدة، فهي ثوابتنا الدينية والوطنية والأخلاقية، وفي مقدمتها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يحفظ وحدة المجتمع وأمنه واستقراره وهويته.
وما دون ذلك من نصوص بشرية وتنظيمات قانونية، فهو مجال للاجتهاد والمراجعة والتطوير متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، وفق الطرق القانونية والمؤسساتية التي تحفظ للدولة شرعيتها واستقرارها.
كلمة أخيرة
أنا لا أدعو إلى مأمورية ثالثة لأننا لا نريد التغيير.
بل أدعو إليها لأنني أعتقد أن التغيير الحقيقي لا يعني دائماً تغيير الأشخاص، وإنما قد يعني أحياناً إعطاء المشروع الناجح الوقت الكافي حتى يكتمل.
موريتانيا اليوم ليست موريتانيا الأمس.
لدينا تحديات جديدة، ولكن لدينا أيضاً قدر أكبر من الخبرة، وأمن أكثر استقراراً، وتجربة متراكمة في التعامل مع ملفات كانت في السابق شديدة التعقيد.
ومن غير المنصف أن نُدخل البلاد في مرحلة طويلة من عدم اليقين حول اتجاهاتها وسياساتها ومشاريعها، بينما بدأت ملامح البناء تظهر.
لذلك، فإن المأمورية الثالثة، إذا كانت ستُطرح، ينبغي أن تُطرح على أساس واضح:
ليست مأمورية للأشخاص، وإنما مأمورية للمشروع.
وليست بحثاً عن السلطة، وإنما بحثاً عن استمرارية البناء.
وليست رفضاً للتداول، وإنما رفضاً لأن تتحول كل مرحلة سياسية إلى قطيعة مع ما سبقها.
وإذا كانت موريتانيا قد بدأت أخيراً تضع بعض اللبنات التي يمكن أن تبنى عليها دولة أكثر استقراراً ومؤسسات أكثر كفاءة واقتصاداً أكثر قدرة على النمو، فإن السؤال الذي يستحق أن نناقشه بصدق هو:
هل نقطع الطريق على هذا البناء، أم نعطيه فرصة ليكتمل؟
ومن موقفي، أرى أن موريتانيا اليوم تحتاج إلى استكمال المسار، وإلى الاستمرارية، وإلى قيادة تعرف ما تحقق، وتدرك ما بقي، وتملك القدرة على مواصلة الطريق.
ولهذا أقولها بوضوح:
موريتانيا تستحق أن تُمنح فرصة لاستكمال مشروعها التنموي، ومأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يمكن أن تكون، إذا تم تأطيرها دستورياً وقانونياً، فرصة لاستكمال البناء بدل العودة إلى نقطة البداية. أشواطاً في الأمن والاستقرار وضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، وإذا بدأت مؤسسات الدولة تراجع قوانينها وتعيد ترتيب أدواتها، وإذا بدأت ثقافة التخطيط والمتابعة والتقييم تأخذ مساحة أكبر، فلماذا نُصر على قطع هذا المسار لمجرد أن الزمن السياسي وصل إلى نهايته؟
أليس من الممكن أن يكون الأصل هو أن نستفيد من المرحلة التي تم فيها بناء قدر من الاستقرار، حتى ننتقل به إلى مرحلة أكثر عمقاً في التنمية؟
إن الاستقرار ليس غاية في حد ذاته، لكنه شرط للانطلاق.
والأمن ليس مشروعاً منفصلاً عن التنمية، بل هو الأرضية التي تقف عليها التنمية.
والقانون ليس نصاً مقدساً بذاته، بل وسيلة لتنظيم حياة الناس وتحقيق العدالة والمصلحة العامة.
الدستور والمصلحة العليا
أما الدستور، فهو المرجعية التي تنظم ممارسة السلطة وتحدد قواعد الدولة، واحترامه أمر لا خلاف عليه.
لكن النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يفتح بهدوء ومسؤولية هو: هل النصوص الدستورية جامدة إلى درجة تمنع الدولة من تطوير نظامها السياسي عندما تقتضي المصلحة العليا ذلك؟لقد عرفت كل الدول تقريباً مراحل من مراجعة دساتيرها وقوانينها عندما تغيرت الظروف وتطورت حاجات المجتمع.
والقول بأن الدستور يمكن تعديله وفق الآليات القانونية لا يعني إلغاء الدستور، وإنما يعني ممارسة حق دستوري في تطويره.
أما الثوابت التي لا ينبغي أن تكون محل عبث أو مزايدة، فهي ثوابتنا الدينية والوطنية والأخلاقية، وفي مقدمتها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يحفظ وحدة المجتمع وأمنه واستقراره وهويته.
وما دون ذلك من نصوص بشرية وتنظيمات قانونية، فهو مجال للاجتهاد والمراجعة والتطوير متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، وفق الطرق القانونية والمؤسساتية التي تحفظ للدولة شرعيتها واستقرارها.
كلمة أخيرة
أنا لا أدعو إلى مأمورية ثالثة لأننا لا نريد التغيير.
بل أدعو إليها لأنني أعتقد أن التغيير الحقيقي لا يعني دائماً تغيير الأشخاص، وإنما قد يعني أحياناً إعطاء المشروع الناجح الوقت الكافي حتى يكتمل.
موريتانيا اليوم ليست موريتانيا الأمس.
لدينا تحديات جديدة، ولكن لدينا أيضاً قدر أكبر من الخبرة، وأمن أكثر استقراراً، وتجربة متراكمة في التعامل مع ملفات كانت في السابق شديدة التعقيد.
ومن غير المنصف أن نُدخل البلاد في مرحلة طويلة من عدم اليقين حول اتجاهاتها وسياساتها ومشاريعها، بينما بدأت ملامح البناء تظهر.
لذلك، فإن المأمورية الثالثة، إذا كانت ستُطرح، ينبغي أن تُطرح على أساس واضح:
ليست مأمورية للأشخاص، وإنما مأمورية للمشروع.
وليست بحثاً عن السلطة، وإنما بحثاً عن استمرارية البناء.
وليست رفضاً للتداول، وإنما رفضاً لأن تتحول كل مرحلة سياسية إلى قطيعة مع ما سبقها.
وإذا كانت موريتانيا قد بدأت أخيراً تضع بعض اللبنات التي يمكن أن تبنى عليها دولة أكثر استقراراً ومؤسسات أكثر كفاءة واقتصاداً أكثر قدرة على النمو، فإن السؤال الذي يستحق أن نناقشه بصدق هو:
هل نقطع الطريق على هذا البناء، أم نعطيه فرصة ليكتمل؟
ومن موقفي، أرى أن موريتانيا اليوم تحتاج إلى استكمال المسار، وإلى الاستمرارية، وإلى قيادة تعرف ما تحقق، وتدرك ما بقي، وتملك القدرة على مواصلة الطريق.
ولهذا أقولها بوضوح:
موريتانيا تستحق أن تُمنح فرصة لاستكمال مشروعها التنموي، ومأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يمكن أن تكون، إذا تم تأطيرها دستورياً وقانونياً، فرصة لاستكمال البناء بدل العودة إلى نقطة البداية.

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)