
ليس في طبيعة الدستور، ولا في فلسفة الشرعية السياسية، ما يبرر تحويل النص الدستوري إلى قيد أبدي تُحاصر داخله إرادة الشعب، وتُحجز طموحاته في حظيرة من حديد باسم الشرعية.
فالدستور، مهما علت مكانته القانونية، ليس نصًا مقدسًا خارج التاريخ، ولا عقدًا أبديًا يُلزم الأجيال إلى ما لا نهاية بإرادة جيل سابق. إنه إطار لتنظيم السلطة، وضمان الحقوق، وتحديد قواعد الحكم، يستمد مبرره السياسي من وظيفته في خدمة المجتمع والتعبير عن تطلعاته.
ومن الضروري التمييز بين ثلاثة مفاهيم: إرادة الشعب بوصفها مصدرًا للسلطة، والدستور بوصفه إطارًا لممارستها، والشرعية بوصفها أساسًا لتبرير السلطة واستمرارها. فالخلط بينها قد يؤدي إلى مفارقة خطيرة، حين يتحول الإطار الذي وُضع لتنظيم الإرادة الشعبية إلى أداة لتقييدها، وتصبح الشرعية حجة لإغلاق أبواب التغيير.
أولًا: حين يتحول التحصين الدستوري إلى وصاية على المستقبل
لا تقتصر خطورة المواد الدستورية المحصنة على صعوبة تعديلها، بل قد تتجاوز ذلك إلى استغلالها سياسيًا من تيارات أيديولوجية تسعى إلى جعل خياراتها بمنأى عن المراجعة الشعبية.
فبعض تيارات اليسار المتطرف، التي تجمع بين الجمود الأيديولوجي في تصور المجتمع والتوسع في إعادة تشكيل قيمه وهويته، قد تجد في المواد المحصنة مكسبًا سياسيًا يصعب انتزاعه، ووسيلة لتثبيت خياراتها والتحكم في مفاتيح الدولة، حتى عندما لا تحظى تلك الخيارات بتوافق وطني واسع.
وهنا ينبغي التمييز بين تحصين المبادئ التي تحمي الحقوق وتصون كرامة الإنسان، وبين تحصين اختيارات سياسية أو هوياتية خلافية، بحيث تتحول إلى قيود دائمة على الأجيال اللاحقة. فليس كل تحصين ضمانة للديمقراطية، كما أن ليس كل تعديل تهديدًا للاستقرار؛ والعبرة بطبيعة المبدأ المحصن، والغرض من تحصينه، ومدى اتصاله بالحقوق الأساسية أو بالخيارات السياسية القابلة للمراجعة.
ثانيًا: الهوية الوطنية ليست مجالًا للمغامرة الأيديولوجية
ولنتصور، على سبيل التحذير من العواقب المحتملة، نظامًا سياسيًا بلا أفق وطني واضح، يتبنى مشروعًا لإضعاف الهوية العربية الجامعة، ويستبدل بها فسيفساء من الهويات المتنافرة، مستندًا إلى تحولات ديموغرافية وسياسات لا تستند إلى توافق وطني حقيقي.
في مثل هذا السيناريو، قد يصبح استغلال المواد الدستورية المحصنة وسيلة لفرض تحولات عميقة في طبيعة الدولة، بحيث تجد الأجيال اللاحقة نفسها أمام واقع يصعب تغييره بالوسائل السياسية المعتادة.
ولا يتعلق الاعتراض هنا بالتنوع البشري في ذاته، ولا بحقوق المهاجرين أو كرامتهم الإنسانية، وإنما بمشروعية القرارات التي تمس هوية الدولة ومستقبلها، وبحق المجتمع في أن يناقش هذه الخيارات بحرية، بعيدًا عن الإكراه الأيديولوجي أو استغلال التحولات السكانية لفرض أمر واقع.
فالهوية العربية الجامعة في موريتانيا ليست تفصيلًا عابرًا في سجل الخيارات السياسية، بل مكوّن تاريخي وثقافي ولغوي أساسي في الشخصية الوطنية. وحمايتها لا تعني الانتقاص من حقوق أي مكوّن من مكونات المجتمع، وإنما تعني رفض تحويل التعدد إلى ذريعة لتفكيك الإطار الثقافي المشترك الذي يجمع المواطنين.
ثالثًا: إرادة الشعب بين احترام الدستور وحق مراجعته
لا يعني ذلك أن كل رغبة شعبية عابرة تُبطل الدستور تلقائيًا، أو أن مخالفة أحكامه تصبح مشروعة بمجرد الادعاء بالتعبير عن إرادة الأمة. فالإرادة الشعبية لا ينبغي أن تكون ذريعة يحتكرها فرد أو جماعة، وإنما قضية عامة تستلزم التعبير عنها بوسائل معتبرة، وتقتضي أن تظل آفاق التغيير مفتوحة أمام المجتمع.
وفي الحالة الموريتانية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة؛ إذ يقرر الدستور أن الشعب مصدر كل سلطة، وأن السيادة الوطنية ملك له. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان الشعب مصدر السلطة، فهل يجوز أن تتحول أحكام الدستور إلى وسيلة لإغلاق الباب أمام تطور إرادته السياسية، أو لمنع مراجعة خيارات وطنية لم تعد تستجيب لتطلعاته؟
إن احترام الدستور في تنظيم الحياة العامة شيء، وتأليه أحكامه وكأنها نهاية التاريخ السياسي للأمة شيء آخر. فالدساتير ليست غايات في ذاتها، وإنما وسائل لتنظيم الحياة السياسية وضمان الحقوق واستقرار الدولة. والاستقرار الحقيقي لا يقوم على تجميد الواقع، بل على قدرة المؤسسات على استيعاب التحولات والتكيف معها دون أن تنزلق البلاد إلى الفوضى أو الصراع.
وقد تتسع الفجوة بين أحكام الدستور والواقع الذي يُفترض أن ينظمه، أو تصبح بعض قواعده عائقًا أمام مراجعة الخيارات الوطنية. وعندئذ لا يكون السؤال كيف نحافظ على النص مهما كانت الظروف، بل كيف نوفق بين استمرارية الدولة وحق المجتمع في مراجعة قواعده الدستورية، بما يصون الاستقرار ويستجيب للإرادة الشعبية.
خاتمة
ليس الدستور قفصًا من حديد تُحبس فيه طموحات الشعب باسم الشرعية، بل إطار لتنظيم إرادته. وإذا نشأ تعارض جوهري بين أحكامه وتطلعات الأمة، وجب فتح النقاش حول مراجعتها بالوسائل الدستورية المتاحة، بما يكفل التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية ويحمي الدولة من الاضطراب.
إن تحصين المبادئ التي تصون الحقوق وتمنع الاستبداد قد يكون ضرورة، أما تحصين الخيارات الأيديولوجية المختلف عليها، أو تحويل مواد الدستور إلى حصون تمنع المجتمع من مراجعة مستقبله، فقد ينقلب إلى وصاية على الأجيال باسم حمايتها.
فالدستور الذي يحمي الدولة هو الذي يجمع بين الاستقرار وإمكان التطور، ويحفظ الهوية الوطنية دون أن يصادر الحقوق، ويتيح مراجعة الخيارات السياسية دون أن يهدم المؤسسات.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا أمام كل مجتمع هو: هل وُجد الدستور لخدمة الشعب وتنظيم حياته السياسية، أم يُطلب من الشعب أن يظل أسيرًا لنص دستوري مهما تغيرت إرادته وظروفه؟
الأستاذ . السالك ولد اباه

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)