القطاع الخاص.. شريك الحكومة في صناعة التنمية وتحريك الاقتصاد/ إسماعيل ولد الرباني*

لم يعد تحقيق التنمية الاقتصادية في  بلادنا  رهنا بقدرة الدولة وحدها على تعبئة الموارد وتمويل المشاريع، بل أصبح مرتبطا بمدى نجاحها في بناء شراكة فاعلة مع القطاع الخاص، قادرة على تحويل الإمكانات الوطنية إلى أنشطة إنتاجية، وفرص عمل، ومصادر مستدامة للدخل والثروة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية مقاربة الحكومة الموريتانية، بتوجيهات سامية من فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، التي تقوم على تكامل أدوار الدولة والفاعلين الاقتصاديين، بما يجعل الاستثمار الخاص رافعة للجهود الحكومية، وشريكا في تحقيق الأهداف التنموية والاجتماعية، وليس مجرد نشاط مواز لعمل المؤسسات العمومية.

وتضطلع الحكومة بدور محوري في تهيئة البيئة المناسبة للاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وتنفيذ البرامج الاجتماعية، فيما يمتلك القطاع الخاص القدرة على تحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع منتجة، وتوسيع النشاط الاقتصادي، وخلق فرص العمل.

ويشكل هذا التكامل مدخلا أساسيا لتعظيم الاستفادة من الإمكانات التي تزخر بها موريتانيا في مجالات المعادن والطاقة والصيد والزراعة والخدمات. فالتحدي لا يكمن في استغلال الموارد فحسب، بل في تطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز القيمة المضافة محليا، وبناء مؤسسات وطنية قادرة على المنافسة والاستمرار.

ومن هنا، فإن ما يبذل من جهود حكومية لتشجيع الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال يكتسب فعاليته الأكبر عندما يقابله انخراط جاد من القطاع الخاص في القطاعات الإنتاجية، وتوجه متزايد نحو الاستثمار طويل الأمد، بما يخدم المصالح الاقتصادية للمؤسسات وأهداف التنمية الوطنية في آن واحد.

ويمثل القطاع الخاص ركيزة أساسية في توسيع فرص التشغيل، خصوصا أمام الشباب، من خلال إنشاء المؤسسات وتطوير الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية والإنتاجية.

ولا يقتصر أثر الاستثمار على الوظائف التي يوفرها مباشرة، بل يمتد إلى الموردين المحليين، والنقل والتخزين والتسويق والصيانة، فضلا عن تنشيط الأسواق وزيادة دخول العمال والأسر، وهو ما ينعكس إيجابا على الاستهلاك والإنتاج وحركة الاقتصاد عموما.

وتبرز هنا أهمية توجيه الاستثمارات نحو المشاريع التي تستوعب اليد العاملة الوطنية، وتستفيد من المؤهلات المحلية، وتفتح آفاقا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما يوسع قاعدة النشاط الاقتصادي ويحد من الاعتماد المفرط على استيراد المنتجات التي يمكن تصنيعها محليا.

كما أن تمكين الشباب من التكوين المناسب، وتيسير حصول المبادرات الجادة على التمويل، وتعزيز الصلة بين التعليم واحتياجات سوق العمل، كلها عوامل من شأنها أن تجعل القطاع الخاص شريكا أكثر فاعلية في جهود الحكومة الرامية إلى التشغيل وتحسين مستويات المعيشة.

وتتجاوز أهمية القطاع الخاص حدود الاستثمار والأرباح لتشمل مساهمته في تمويل التنمية الاجتماعية. فالمؤسسات المنتجة توفر الدخول، وتساهم في الإيرادات العامة عبر الضرائب والرسوم المستحقة، وتساعد، بذلك، على توسيع الموارد المتاحة لتمويل الخدمات الأساسية والبرامج الاجتماعية.

وكلما اتسعت القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، وتنوعت المؤسسات والأنشطة، ازدادت فرص بناء موارد أكثر استدامة، تساعد الدولة على مواصلة جهودها في مجالات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والحماية الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، فإن تثمين دور القطاع الخاص لا ينفصل عن تقدير الجهود الحكومية التي تستهدف تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، بل يعكس إدراكا بأن استدامة هذه الجهود تتطلب اقتصادا منتجا، وقاعدة ضريبية أوسع، ومؤسسات قادرة على خلق الثروة وفرص العمل.

وتبقى تهيئة بيئة أعمال واضحة ومستقرة، وتبسيط الإجراءات، وتحسين النفاذ إلى التمويل، وضمان المنافسة العادلة، من أهم الشروط التي تساعد على توجيه رؤوس الأموال نحو الاستثمار المنتج، وتعزز ثقة المستثمرين في مستقبل الاقتصاد الوطني.

إن موريتانيا، بما تمتلكه من موارد طبيعية وفرص استثمارية واعدة، أمام فرصة لتعزيز التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على توليد فرص العمل والثروة. ويتطلب اغتنام هذه الفرصة مواصلة الجهود الحكومية في الإصلاح والاستثمار الاجتماعي والبنية التحتية، بالتوازي مع تطوير مساهمة القطاع الخاص في الإنتاج والتصنيع والابتكار.

وفي هذا السياق، يستحق الفاعلون الاقتصاديون الذين يوجهون استثماراتهم نحو خلق القيمة المضافة وتوفير الوظائف ودعم الاقتصاد الوطني التثمين والتشجيع، باعتبارهم شركاء في مسار التنمية، تتقاطع مصالحهم المشروعة مع المصلحة العامة للبلاد.

إن الرهان الحقيقي ليس في المفاضلة بين دور الدولة ودور القطاع الخاص، بل في بناء تكامل فعال بينهما؛ دولة تضع السياسات وتوفر البنية التحتية وتحمي المنافسة وتضمن العدالة الاجتماعية، وقطاع خاص يستثمر وينتج ويبتكر ويوفر فرص العمل ويسهم في توسيع الموارد الوطنية.

وعندما ينجح هذا التكامل، يصبح النمو الاقتصادي أكثر قدرة على تجاوز المؤشرات والأرقام إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين، وتتحول الثروة الوطنية إلى فرص أوسع للإنتاج والتشغيل والاستقرار الاجتماعي.

فتنمية موريتانيا مسؤولية وطنية مشتركة، ونجاحها يزداد رسوخا كلما التقت جهود الحكومة ومبادرات القطاع الخاص حول هدف واحد يتمثل في بناء اقتصاد منتج، وتعزيز الرفاه الاجتماعي، وتوسيع آفاق المستقبل أمام الأجيال.

 

*- إسماعيل ولد الرباني

المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

 

سبت, 24/10/2026 - 16:12