وجهة نظر تتعلق بالوحدة الوطنية/ الشيخ عبد الرحمن حدن

الحلقة الأولي:  

ما كنت أرغب بالكتابة في هذا الموضوع لقلة بضاعتي وحساسيته ولاعتبار أنه سيكون مفعما بالكتابة فيه، إلى أنْ تلاحى اثنان في مسجدنا فاستدعيتهما من الغد إلى المنزل لأصلح بينهما، وعندها قررت أن أكتب فيه شيئا، أسأل الله أن يتقبله وينفع به. 

               تأطير: 

1. استجابة لأمر الله عز وجل بالإصلاح بين المؤمنين حيث قال: وأصلحوا ذات بينكم الأنفال:1، وقال: وَالصُّلْحُ خَيْر النساء: 128، وقال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الحجرات:10، ونهى الله عز وجل عن التنازع والفرقة، فقال: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا آل عمران:103، وقال: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكمالأنفال:46، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام} رواه الشيخان، ويقول إن المتخاصمَيْن لا يغفر الله لهما حتى يصطلحا: {تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلاَّ رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا} رواه مسلم، ويقول: {وإياكم والبغضة فإنها هي الحالقة لا أقول لكم تحلق الشعر ولكن تحلق الدين}رواه البخاري في الأدب المفرد.، ويقول: {إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة}رواه مسلم. 

2. ورغبة فيما أعد الله للمصلحين بين الناس من الأجور العظيمة، قال تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أرجو عظيما) النساء: 114، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة قال قلنا بلى قال إصلاح ذات البين، وإفساد ذات البين هي الحالقة} رواه ابو داود والترمذي وقال هذا حديث صحيح، ولم يرخص الإسلام بالكذب في شيء إلا في العلاقة بين الزوجين والإصلاح بين الناس لما يترتب على ذلك من مصالح ضرورية، قال صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ الْكذَّاب الَّذِي يصلح بَين النَّاس فينمي خيرا أَو يَقُول خيرا}رواه الشيخان. 

3. وما فيه المجتمع اليوم من تفكك وتشرذم (..!!!) يناقض الإسلام ويتنافى مع مقتضيات الوحدة والأخوة التي امتن بها الله على المسلمين وأمرهم برعايتها وصيانتها، ويقطع عراها وأواصرها، فهو واقع لا يرضاه الله ولا رسوله ولا المؤمنون قطعا، وهذا يحتم على كل من يغار على دينه وإخوته المؤمنين ووطنه أن يبذل قصارى جهده فلعل وعسى! 

4. والإسهام في توجيه الرأي العام الذي تدور فيه هذه الفترة مناقشات (..!!) تحتاج إلى تقويم وتسديد... 

5. وطمعا في أن تجد كلماتي هذه من يستوعبها ويتحرك بها ويشيعها حتى يحقق الله بها ما نطمح له جميعا من إصلاح وتصالح ومحبة وإخاء بين أفراد المجتمع كل المجتمع، وما ذلك على الله بعزيز.

يتواصل إن شاء الله تعالى  

     

الحلقة الثانية:

القسم الأول: التشخيص

لقد كتب الله على مجتمعنا أن يعيش في هذا الحيز الجغرافي المعروف اليوم بموريتانيا، وأنعمَ الله عليه بأن جعل كل أفراده ولله الحمد يعتنقون دين الإسلام الذي يسَوِّي بين كل الأجناس والأعراق والألوان والأغنياء والفقراء، ولا يقبل معيارا للتفاضل غير معيار التقوى الذي لا يُحَرَّج فيه على أحد، وبفضل هذه النعمة العظيمة عاش بها مجتمعنا في انسجام ووئام، رغم ما شاب مسيرته من انحرافات في التطبيق، وكان من ثمارها كذلك الجوار الحسن والتآلف والصفح والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، وهذا ما كان حاصلا بدرجة كبيرة ولله الحمد.

 إخوتي الكرام في الدين والوطن والرحم والجوار إن هذه النعمة لجديرة جدا بالشعور بها وتقديرها وشكرها والتمسك بها والحفاظ عليها، فإنْ نحن فعلنا ذلك حصلنا على مبتغانا في الدنيا قبل الآخرة، وكانت لنا الزلفى، وإنْ نحن فرطنا فيها -لا قدر الله- خسرنا وطننا وأنفسنا وأهلينا ومستقبلنا الأخروي.

لا شك أنه قد وقعت أخطاء جسيمة وفظائع عظيمة ما كان لمجتمع مسلم أن يقع في مثلها، من هذه الأخطاء:

1. تَعَرُّض بعض إخواننا للاضطهاد والقتل والتشريد من قبل أنظمة ظالمةسابقة وبإسهام في أسبابها ونتائجها من عناصر تمتهن سياسة إقصائية.  

2. استغلالِ بعض المجتمع لبعضه دون مسوغ مقبول شرعا ولا قانونا، وهذه المصيبة لكل أسف لا تكاد تخلو منها منطقة ولا ساكنة في البلد. 

3. النظر لبعض أصحاب المهن نظرة لا تتناسب مع مكانتهم وشرفهم وما يقدمون من إسهامات مهمة في الحياة العامة، علما بأن هذه النظرة السلبية توجد بدرجة ما داخل كل المجتمعات حتى الضيقة منها بما فيها أبناء العمومة.

4. وجود نظام اجتماعي تتفاوت صرامته من قوم إلى قوم ويفاضل بين أفراد المجتمع، ويُحَرِّج في تزَوُّج بعض المستويات الاجتماعية من مستويات مخالفة لها في السلم الاجتماعي في هذا النظام، وفي تعيين الإمام الراتب من أسافل السلم الاجتماعي المعتمد كذلك ولو كان عالما، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تتلاءم مع الشرع ولا مع كرامة الإنسان. 

ونحن نأسف جميعا لهذه التصرفات المنكرة ونستشينها وندينها وندين مرتكبيها، وعلينا أن نسعى جميعا لإزالة الآثار السيئة النفسية والمادية والحقوقية... التي ترتبت عليها دون أن نُحَمِّل مسؤوليتها أو مسؤولية بعضها للذين فاتتهم الفترة التي وقعت فيها أو لم يشاركوا فيها ولم يدافعوا عنها، فالله عز وجل يقول: ولا تزر وزارة وزر أخرىالأنعام:164، ويقول: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا الأحزاب:58، ويقول الله عز وجل: حكاية عن يوسف عليه السلام: قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون يوسف:79، فذلك لا تقبله شريعة ولا قانون ولا منطق، وهو ظلم للمجتمع لأنه يُحَمِّل البريء جرم غيره، ومن شأنه أن يعكر المشهد، ويعقد الحل بدلا من الإسهام فيه.

وإن مِن بيننا مع الأسف مَن يُسِيؤون بتحميل الحاضرين مسؤولية ما وقع أو بعضه مع أنهم لم يشاركوا فيه أصلا ولم يرتضوه لاحقا، مما ذكَّرني بقصة من قصص الأطفال، تقول: "إن ذئبا جائعا رآى حَمَلا (خروفا) في الغابة وأراد أن يختلق له مبررا يأكله بسببه، فقال له: لقد بلغني أنك الذي شتمتني في العام الماضي وقلت إنني ماكر... فقال الحمل : وكيف أشتمك في العام الماضي وعمري الآن ثلاثة أشهر فقط.؟!! فقال الذئب : إذًا أنت الذي أكلت العشب الذي في بستاني.. فتعجب الحمل وقال : أنا لا آكل العشب ، أنا ما زلت أشرب من حليب أمي .. !! قال الذئب غاضبا : كلما لفقت لك تهمة تخلصت منها .. إنني جائع وسآكلك مهما كانت إجابتك مقنعة".

5. ما زال أصحاب المظالم والحقوق ينتظرون إنصافهم وتسوية أوضاعهم، وعلاج الآثار التي ترتبت على الأوضاع السابقة بما في ذلك الحصول على الأوراق الثبوتية التي تعذَّر على بعضهم الحصول عليها.

6. استغلال بعض الأنظمة السابقة لهذه المظالم فيما تراه مصلحة لها، دون أن تنهي موضوعها وتغلقه رغم الوعود والضجيج! وقد شارك بعض الأفراد والمنظمات العاملة في الحقل في هذا لاستغلال.

7. مجتمع مدني ينقصه الكثير من الفعالية في هذا المجال، وينقصه كذلك دعم السلطات ومؤازرتها، بل تَرْكُها له يُؤَدي ما قَدَرَ عليه من دعم للمتضررين الذين ليس لهم -بعد الله- إلا هو بسبب تقاعس السلطات عن واجبهها اتجاههم، ينضاف إلى هذا ضعف اهتمام الرأي العام من نخب وغيرها.

8. وضع نفسي غير مريح يسيطر على هؤلاء الضحايا دون أن يلوح لهم في الأفق القريب ما يطمئنهم على مستقبل ينصفهم.

يتواصل إن شاء الله تعالى.

 

اثنين, 06/01/2020 - 09:05