
في خطوة تحمل دلالات سياسية لافتة، وجّهت الرئاسة الموريتانية دعوات رسمية لعدد من القيادات السياسية من مختلف الأطياف، موالاة ومعارضة، للمشاركة في اجتماع مخصص لمناقشة وثيقة الحوار الوطني، في مسعى واضح لإعادة تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي الوطني، ووضع حد لحالة الجمود التي طبعت مسار الحوار خلال الأشهر الماضية.
وتأتي هذه الدعوات في سياق سياسي يتسم بتراكم التحديات، سواء على مستوى الإصلاحات السياسية أو متطلبات الاستقرار الاجتماعي، ما يجعل إعادة إطلاق الحوار الوطني حاجة ملحّة لا مجرد خيار سياسي.
ويُقرأ هذا التحرك الرئاسي باعتباره رسالة انفتاح وتأكيد على أن الحوار، بوصفه آلية ديمقراطية، يظل السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات وبناء التوافقات الكبرى حول القضايا الوطنية.
ويحمل اختيار أربعين شخصية سياسية، موزعة بالتساوي بين الأغلبية الحاكمة والمعارضة، دلالة رمزية وسياسية مهمة، تعكس حرص الجهة الداعية على ضمان توازن التمثيل وتفادي منطق الإقصاء. كما أن توزيع مقاعد المعارضة بين مكونات «مؤسسة المعارضة الديمقراطية» وقوى معارضة خارج إطارها، يبعث برسالة تطمين مفادها أن الحوار لا يُختزل في أطر تنظيمية بعينها، بل يسعى إلى استيعاب أوسع طيف ممكن من الآراء والمواقف.
ويركز الاجتماع المرتقب على مناقشة «وثيقة خارطة طريق الحوار» التي أعدها المنسق العام للحوار، السيد موسى فال، والتي تمثل، في جوهرها، محاولة عملية لتجاوز العراقيل التي حالت دون انطلاق الحوار في فترات سابقة. فالوثيقة لا تكتفي بتشخيص أسباب التعثر، بل تقدم مقترحات محددة تتعلق بالإطار الزمني والتنظيمي، وآليات إدارة الخلاف، بما يعزز فرص الانتقال من مرحلة النوايا إلى مرحلة الفعل.
وتكتسب مضامين الوثيقة أهمية خاصة، لكونها تضع في صلب النقاش قضايا الإصلاح السياسي والانتخابي، باعتبارها المدخل الأساسي لتعزيز الثقة في العملية الديمقراطية.
كما تولي الوثيقة عناية خاصة لقضايا الوحدة الوطنية وتعزيز المنظومة الحقوقية، وهي ملفات ظلت، على الدوام، محورا للنقاش العمومي ومصدرا للتجاذب السياسي، ما يجعل إدراجها ضمن أجندة الحوار مؤشرا على الرغبة في مقاربة شاملة لا تجتزئ المشكلات ولا ترحّلها.
ورغم الإشارات الإيجابية التي تحملها هذه الخطوة، يبقى نجاحها مرهونا بمدى توفر الإرادة السياسية لدى مختلف الأطراف، واستعدادها لتقديم تنازلات متبادلة لصالح المصلحة العامة. فالتجارب السابقة أظهرت أن الحوار، مهما حسنت نواياه، قد يتعثر إذا غابت آليات المتابعة أو طغت الحسابات الضيقة على منطق التوافق.
ويشكل توجيه هذه الدعوات الرئاسية تطورا نوعيا في مسار الحوار الوطني، وفرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الفاعلين السياسيين، ووضع أسس صلبة لإصلاحات طال انتظارها.
ويبقى الأمل معقودا على أن يتحول هذا الاجتماع من مجرد محطة تشاورية إلى منطلق فعلي لحوار وطني جامع، يفضي إلى مخرجات ملموسة تعزز الاستقرار السياسي وتخدم تطلعات الموريتانيين في دولة ديمقراطية عادلة وقوية.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)