الطلاق بين رقم الإحصاء وشرط الله

أزعجنى ما تشير به أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عام 2024 سجل ما يقارب مئتين وثلاثة وسبعين ألف حالة طلاق بمتوسط سبعمائة وخمسين حالة يوميًا، وهو رقم لا يمكن التعامل معه كخبر عابر بل كاشف عن خلل عميق في فهم الزواج والطلاق وفي طريقة تنزيل شرع الله على واقع الناس.

فالمفارقة الصادمة أن حالات الطلاق ترتفع بينما تنخفض عقود الزواج وكأن المجتمع يسير عكس منطق الحياة زواج أقل وطلاق أكثر وبيوت تبنى على عجل وتهدم أسرع.

والأخطر من الرقم هو الكيف، إذ ما زال الطلاق في أغلبه يتم بكلمة ينفرد بها الرجل غيابيًا دون علم المرأة ودون مشاورة ودون محاولة حقيقية للإنقاذ، وكأن الزواج كان عقد امتلاك لا ميثاقًا غليظًا، بينما يضع القرآن شرطًا واضحًا لا لبس فيه، (فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما)، فالإرادة هنا مشتركة والتراضي أصل والتشاور شرط لا ترف في الطلاق، في منطق القرآن ليس قراراً فرديًا ولا انفعالًا لحظيًا بل نتيجة وعي ومسؤولية متبادلة.

والسؤال الجوهري كيف تحولت الكلمة التي أحل بها الرجل المرأة إلى سيف مسلَّط عليها وحدها؟ وكيف غاب شرط التراضي من وعينا الديني وبقي النص محفوظًا بلا أثر؟

نعم هناك نساء يستحيل العيش معهن، كما أن هناك رجالًا لا يطاقون، لكن الاستحالة لا تلغي العدل ولا تبرر الانفراد بالقرار ولا تسقط حق المشاورة والمراجعة في الطلاق الغيابي، ليس مجرد إجراء فقهي بل جرح إنساني يهدم البيوت ويشرد الأطفال ويحول الزواج من سكن إلى خوف.

والأرقام تؤكد أن اغلب حالات الطلاق تقع بين فئات عمرية شابة وفي الحضر أكثر من الريف وبين من لم يكتمل وعيهم التعليمي والاجتماعي، مما يثبت أن المشكلة ليست في النص بل في الفهم، وليست في الشريعة بل في طريقة تطبيقها وإعادة الاعتبار لشرط الله في التراضي والتشاور، ليست ترفًا فكريًا بل ضرورة اجتماعية، فربما لو طبق هذا الشرط لانخفضت أرقام الطلاق، وتحول الانفصال من كسر وفضيحة إلى قرار واع يحفظ الكرامة ويقلل الخسائر.

وما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الخطب عن قدسية الزواج بل شجاعة في مراجعة ممارسات الطلاق ووقف تقديس العرف إذا خالف النص، ووقف الانحياز لتفسير يمنح طرفًا سلطة مطلقة على مصير أسرة كاملة في البيوت لا تخرب بالطلاق وحده بل بطريقة الطلاق، وحين يغيب العدل تتحول الكلمة من حل إلى لعنة، وتبقى الكارثة مستمرة ما دمنا نقرأ الآية ولا نعمل بها

أحد, 11/01/2026 - 19:24