
الوئام الوطني : ليس من السهل كتابة تجربة لا تصرخ. وليس من المألوف، في زمن الضجيج السياسي، أن تُقاس السلطة بما تُنجز لا بما تُعلن، وبما تُراكم لا بما تُلوّح به.
غير أن موريتانيا، منذ صيف 2019، دخلت مسارًا مختلفًا، مسارًا يمكن اختصاره في مفهوم واحد.. الهدوء المنتج.
حين وصل محمد ولد الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم، لم يحمل إلى القصر خطاب تعبئة ولا برنامجًا صداميًا، بل رؤية دولة تدرك أن أخطر ما يهددها ليس الفقر وحده، بل فقدان الإيقاع.
ومنذ اللحظة الأولى، بدا أن الرهان لم يكن على إحداث قطيعة سياسية، بل على ترميم الاستمرارية، وإعادة السياسة إلى حجمها الطبيعي بوصفها أداة خدمة لا مسرح صراع، ومسؤولية لا مجال استعراض.
تغيّر المشهد العام دون ضجيج.. خفّ الاحتقان، وتراجعت لغة الاستئصال، وساد مناخ سياسي أقرب إلى إدارة الخلاف منه إلى تصعيده..
لم يكن ذلك تنازلًا عن القرار، بل استعادة له؛ فالدولة التي تنشغل بالصراع تفقد قدرتها على الإنجاز، بينما الدولة التي تهدأ تبدأ العمل..
وبهذا المعنى، لم يكن الهدوء علامة ضعف، بل شرطًا من شروط الفعل ، دون بيانات منتصرة أو خطابات حادة.. استعاد الفضاء العام توازنه، وبدأت المؤسسات تتحرك خارج ضغط الاستقطاب، وفق منطق الدولة لا منطق اللحظة..
وفي السياق نفسه، جاء إطلاق مسار الحوار الوطني ليؤكد أن التهدئة لم تكن انسحابًا من السياسة، بل إعادة تعريف لها.
حين أعلن الرئيس أن لا موضوع محظورًا على النقاش، لم يكن ذلك استجابة لضغط ظرفي ولا بحثًا عن إجماع شكلي، بقدر ما كان محاولة لإعادة السياسة إلى معناها الأصلي.. فضاء تفاوض بين أبناء الدولة الواحدة.
قد لا تكون الحاجة العملية للحوار ملحّة في لحظته، لكن رمزيته كانت عميقة، لأن الدول لا تُبنى فقط حين تختلف، بل حين تتفق على كيفية إدارة اختلافها، وعلى أن المستقبل لا يُصاغ بالإقصاء، بل بما يتوافق عليه المواطنون داخل إطار جامع ومسؤول.
في عمق هذا الهدوء السياسي، تشكّل تحوّل اجتماعي لافت ، فبدل إدارة الفقر بخطاب الشفقة أو بالمساعدات الموسمية، اختارت الدولة أن تتعامل معه كسياسة عامة.
لم تعد الهشاشة ملفًا هامشيًا، بل محورًا لبناء أدوات دائمة .. سجل اجتماعي، تحويلات نقدية منتظمة، استهداف أدق، ومراجعة مستمرة.. لم تُقدَّم الحماية الاجتماعية كمنّة، بل كحق، ولم تُدار بمنطق اللحظة، بل بمنطق النظام ، وهو تحوّل صامت لكنه عميق، لأن الدول لا تُقاس فقط بما تشيده من بنى تحتية، بل بما تمنحه من أمان اجتماعي لمواطنيها..
ثم جاءت جائحة كوفيد-19 امتحانًا قاسيًا لدول كبرى قبل الصغيرة ، وفي هذا الظرف الاستثنائي، لم تلجأ موريتانيا إلى الفزع ولا إلى الخطاب الإنشائي، بل إلى أدوات الدولة .. صناديق تضامن، توجيه موارد، حماية الفئات الأضعف، ومحاولة منع الانهيار الاجتماعي.. لم تكن النتائج مثالية، لكنها كانت متماسكة، والأهم أنها جنّبت البلاد انكسارًا كان يمكن أن يكون مكلفًا سياسيًا واجتماعيًا.
وبالتوازي مع ذلك، بدأت ملامح تحسن بطيء لكنه ثابت في الخدمات الأساسية.. الماء لم يعد حلمًا بعيدًا لآلاف الأسر، والكهرباء توسّعت رقعتها، والتغطية الصحية خرجت تدريجيًا من ضيق النخب إلى أفق أوسع للفئات الهشة..
لم تُرفع شعارات “الإنجاز التاريخي”، لكن الواقع تغيّر خطوة بعد خطوة، وتحوّل الجمود المزمن إلى حركة قابلة للتراكم، وهو ما يُعد في حد ذاته إنجازًا في دولة عانت طويلًا من التوقف أكثر مما عانت من ضعف الموارد.
اقتصاديًا، اختارت السلطة خطاب الممكن. لا وعود بطفرات خيالية، ولا استعراض لأرقام معزولة عن الواقع، بل إدارة حذرة لمؤشرات الاقتصاد الكلي، ضبط نسبي للتضخم، تحسين للمالية العامة، وتعزيز للأمن الغذائي في بلد يعرف أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من الخبز.
وفي خلفية هذا التعاطي الواقعي، كانت الدولة تُحضّر بصمت لمرحلة جديدة، لم تُقدَّم كخلاص، بل كمشروع ..(الغاز)..
دخول موريتانيا نادي الدول المنتجة للغاز لم يُسوَّق كمعجزة، بل كمسؤولية.. شراكات محسوبة، خطاب رسمي متزن، ووعي واضح بأن الثروة الطبيعية يمكن أن تكون نعمة أو نقمة، وأن الفارق بين الاثنين اسمه الحوكمة.
هنا يتجلّى منطق الحكم بوضوح.. المستقبل لا يُباع في الخطب، بل يُدار في العقود والمؤسسات..
خارجيًا، اختارت موريتانيا أن تكون حاضرة بلا صخب، ومؤثرة بلا استعراض.. مرّت رئاسة الاتحاد الإفريقي بهدوء الواثق، وبُنيت الشراكات مع الاتحاد الأوروبي وإسبانيا على المصالح لا على الشعارات، وترسّخ موقع البلاد في الساحل بوصفها شريكًا يُوثق به لا ساحة تُدار بالنيابة..
لم تُستخدم الدبلوماسية للاستهلاك الداخلي، بل استُخدم الداخل ليكون أكثر قابلية للتفاعل مع الخارج.
في المحصلة، لا يمكن اختزال تجربة محمد ولد الشيخ الغزواني في قائمة أرقام أو مشاريع متفرقة.
إنها تجربة إعادة تعريف لمعنى الإنجاز، إنجاز لا يُقاس بحدة الخطاب، بل باستقرار الدولة، ولا يُختبر في يوم، بل عبر سنوات من العمل المتراكم.. تجربة تقول إن السياسة، حين تهدأ، تصبح أكثر فاعلية، وإن الدولة، حين تستعيد إيقاعها، تبدأ فعلًا في بناء نفسها.
هنا لا نجد رئيسًا يبحث عن التصفيق، بل دولة تبحث عن توازنها.. ولا نقرأ حكمًا قائمًا على الصدمة، بل مسارًا يقوم على الصبر ، وعلى مهل..
لم تكن موريتانيا تغيّر خطابها فقط، بل كانت تستعيد صوتها.
إسماعيل ولد الرباني


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)