
في أوقات التوترات السياسية والانقسامات الاجتماعية، يظهر الحوار الوطني كوسيلة حيوية لبناء دولة قائمة على مبادئ العدالة والمساواة وتفوق القانون. ومع ذلك، يطرح سؤال جوهري: هل من الحكمة أن تبتعد المعارضة عن مثل هذا الحوار؟ يتطلب الإجابة استكشافًا دقيقًا للديناميكيات بين السلطة والمعارضة، وتشريح فكرة الحوار كآلية لتعزيز الشرعية السياسية، مع تقييم أسباب الرفض مقابل مزايا الالتزام، مستندًا إلى دروس من تجارب دولية. وفي الختام، تبرز المشاركة النشيطة المشروطة كالخيار الأمثل الذي يتوافق مع الرؤية السياسية السليمة والمصلحة العامة.
يُعتبر الحوار الوطني، في أساسه، عملية تفاوض تشمل جميع عناصر الدولة والمجتمع لصياغة اتفاقات حول أسس الحكم والدستور. إنه ليس مجرد حوار، بل طريقة لتجديد العهد الاجتماعي، خاصة في أزمات الشرعية أو اختلالات العدالة وسيادة القانون. كما يُعرفه علماء السياسة المقارنة، يمثل هذا الحوار "تجديدًا إراديًا للعقد الاجتماعي"، مستوحى من أفكار جون لوك، حيث يصبح الالتزام به واجبًا وطنيًا على كل الأطراف، بما فيها المعارضة.
من وجهة نظر دور المعارضة، فهي ليست مجرد صوت معارض، بل جزء أساسي من النظام الديمقراطي، مسؤول عن التصحيح والتوازن. رفضها للحوار يحولها من مشارك إيجابي إلى عنصر غير فاعل، مما يقلل من قدرتها على التأثير في إعادة تشكيل النظام. وعلى الرغم من أن أسباب الرفض – مثل عدم الثقة أو نقص الضمانات – قد تكون مشروعة، إلا أن المنطق السياسي يحث على تحويل هذه الشكوك إلى شروط للانخراط، بدلاً من الانسحاب التام.
في نقاش الرفض مقابل المشاركة، يمكن التمييز بين رفض الإجراءات (مثل طرق التنظيم أو سيطرة طرف واحد) الذي يحتاج إلى تعديل، وبين الرفض الكامل للمبدأ، الذي يعني الانسحاب من الساحة العامة وزيادة عزلة المعارضة. تؤكد التجارب المقارنة هذا: في جنوب أفريقيا (1990-1994)، ساهم انخراط المعارضة في الحوار في الانتقال السلمي بعد نظام الفصل العنصري، كما في تونس بعد 2011، حيث كان التوافق مفتاح التحول الديمقراطي. أما في حالات المقاطعة في دول أخرى، فقد أدت إلى الجمود أو عودة السلطوية.
أما المصلحة الوطنية، فهي المعيار الرئيسي لتقييم الموقف. إنشاء دولة عصرية يتطلب مشاركة الجميع في صياغة عقدها الدستوري. رفض المعارضة للحوار الجاد يخلق فراغًا يستفيد منه القوى المعارضة للتغيير، مخالفًا "أخلاقيات المسؤولية" التي يناقشها ماكس فيبر، حيث يجب موازنة المبادئ الأخلاقية بالالتزام الوطني.
في موريتانيا، على سبيل المثال، يأتي الحوار الوطني المرتقب في 2025-2026 كفرصة لإصلاح شامل، كما أكد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، داعيًا إلى تجاوز المصالح الشخصية.c6d601 ومع ارتياح حذر من المعارضة بعد لقاءات مع الرئيس،65dcb6 إلا أن بعض الأصوات في المعارضة، خاصة في المهجر، ترفضه معتبرة إياه فاقد الشرعية،7f10f9 بينما يعين ائتلاف المعارضة منسقًا للمشاركة،8a3068 مما يعكس توازنًا بين التحفظات والانخراط.
في النهاية، الحل يكمن في المشاركة النقدية المشروطة: الدخول في الحوار برؤية واضحة، مطالب محددة، وضمانات للتنفيذ. رفض المعارضة لمثل هذا الحوار لا ينسجم مع المنطق السياسي أو المصلحة الوطنية، إذ يشكل إهدارًا لفرصة بناء الشرعية بشكل مشترك
محمد معاوية


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)